ماذا لو عاش الأديب الفرنسي الشهير فيكتور هوجو صاحب رواية «البؤساء» في 2014، وماذا كان سيقول عن «السعادة»؟ وهل كان سيصر على رأيه أن «سن الأربعين شيخوخة الشباب، وسن الخمسين شباب الشيخوخة»؟
في القرن التاسع عشر الذي عاش فيه هوجو، كان هناك نصف مليار من البشر في العالم، وكانت الغابات موجودة على كوكب الأرض والأسماك في البحار، وكان من الممكن تحقيق السعادة عن طريق المساواة بين الناس. أما في 2014، فقد أصبح يعيش 7 مليارات من البشر على كوكب الأرض، ولا غابات تقريبا ولا أسماك إلى حد كبير، كما أننا نعيش أزمة في الغذاء والبيئة والمناخ والطاقة والمياه.
وهكذا يمكن ان نتصور هوغو يقول: إن السعادة كان يمكن أن تكون فكرة طيبة في القرن التاسع عشر، أما اليوم فلا يمكن أن يطرح أي إنسان عاقل هذه الفكرة!
لكن الدرسات الحديثة في العالم (أمريكا وروسيا وأستراليا وألمانيا وبريطانيا)، أثبتت العكس في مطلع 2014، بتأكيدها أن تحقيق السعادة على هذا الكوكب ممكن أكثر من أي وقت مضى، بل وحددت سبل السعادة وآفاقها وعمرها المحدد بعدما يتجاوز الإنسان الخمسين من العمر.


الحلقة المفقودة
كانت الأبحاث العلمية حتى 2013، تؤكد أن الانسان يتحرر من المسؤوليات الاجتماعية ويسترد استقلاليته على كل الأصعدة بعد سن الخمسين. ويسعى إلى التمسك بالحياة وتطوير قدراته، كما يبدو أكثر هدوءا، بعد رحلة الجري واللهاث لبناء الذات علميا ووظيفيا وماديا فضلا عن بناء الأسرة، ليرى الدنيا بعيون جديدة صافية، كما أن ما بعد الخمسين مرحلة يقيم فيها الإنسان الماضي ويخطط للمستقبل كنوع من حب الحياة والتمسك بها والتطلع للسعادة بالمعنى الحقيقي للكلمة.
قبل شهور من بداية 2014، أجرت صحيفة « أرغومينتي إي فاكتي» الروسية مقابلة مع مؤسس أكبر دار للنشر والطباعة «كوميرسانت» فلاديمير ياكوفليف الذي ترك مجال «البيزنس» منذ عامين ليطلق مشروعا جديدا يسمى بـ»سن السعادة». وقال: بعد تخطي الخمسين تبدأ مرحلة جديدة في حياتنا حيث نختار بأنفسنا طريقة العيش في العقود الباقية من حياتنا. وبوسعنا في تلك الفترة الاستفادة من المعارف والخبرات التي تكدست لدينا وتحقيق كل أمنياتنا دون أن نفكر في موقف الغير منها.
ويشير إلى أنه قام برحلة في كثير من دول العالم لاستطلاع رأي كبار السن عن معنى السعادة وكيفية تحقيقها والعمر المناسب لها، وخلص إلى أن كل من يشعر بالسعادة في سن «الثمانين» غير نمط حياته بعد تخطي «الخمسين» أو «الستين» من عمره، وإن «السعادة» لم تكن أبدا مشروعا يخص زيادة طول الحياة، إنما يتعلق بـ «نوعية الحياة بعد تجاوز الخمسين».
أهم ما طرحه ياكوفليف هو أن التغيرات الديموغرافية (السكانية والعمرية) على كوكب الأرض في الألفية الثالثة، غيرت تماما النظرة إلى المسنين وكيف نتعامل معهم في المستقبل، خصوصا أن هناك 300 مليون مسن يقطنون كوكبنا حاليا، وبعد 20 عاما سيفوق عدد الذين تخطوا الستين عدد الأطفال على الأرض.
لماذا ما بعد الخمسين؟
يقول أستاذ التربية وعلم النفس في جامعة هارفارد هوارد جاردنر: لكل مرحلة عمرية مميزاتها ومتطلباتها، ومرحلة ما بعد الخمسين من أهم هذه المراحل التي يتجلي فيها (العمل الاجتماعي) والشعور القوي بالتكافل الاجتماعي في جميع أنحاء العالم، لا سيما أن معظم الناس يتفرغون في هذا العمر، بعد أن يكونوا قد انتهوا أو أوشكوا على الانتهاء من رسالتهم بالنسبة للأبناء، ومن ثم يفكرون في كيفية تقديم أشياء نافعة للمجتمع والوطن والإنسانية.
ويشير جاردنر إلى أن «السواء النفسي» أهم مقوم من مقومات «السعادة»، وهو القدرة على الحب والعمل معا. حب الذات والأسرة والمجتمع والإنسانية، أما العمل فهو أن يكون للإنسان دور في الحياة، وأن يوجد هذا الدور بنفسه إذا لم يوجد، حتى لا يقع الإنسان فريسة اليأس والإحباط وعدم الرغبة في مزيد من الحياة.
وأهم ما يجمع بين «الحب» و»العمل» ويحقق السعادة بعد سن الخمسين – في رأيه - الخروج من دائرة «الذات» و»الأسرة» إلى الدائرة الأرحب والأوسع أي «المجتمع» و»الإنسانية»، أو قل الخروج من الأنانية إلى «الإيثار»، أي أن يقدم الإنسان حاجة غيره من الناس على حاجته.


كوكب الأرض
تطوير الذات (اجتماعيا) هو الذي يجدد حياة الإنسان بعد سن الخمسين وهو ما يحتاجه العالم أيضا في القرن الحادي والعشرين. إن الرغبة في مساعدة الآخرين دون النظر إلى مصالحنا في المقام الأول، ليست مجرد فكرة مثالية نبيلة. فالإيثار يرتقي بنوعية حياتنا ويحقق سعادتنا ويعظم من قيمتها، بل وقد يعتمد بقاؤنا وسعادة الأجيال المقبلة على الإيثار، كما يقول الراهب البوذي الفرنسي ماثيو ريكارد في مقاله «الطريق إلى الإيثار».
وكتب ريكارد الحاصل على درجة الدكتوراة في الوراثة ويدير أكثر من 130 مشروعا خيريا وإنسانيا من خلال مؤسسة - Karuna-Shechen، في 4 يناير الحالي على موقع «سيندكت بروجكت»: إن التحديات والمشكلات التي نواجهها في عالم اليوم ليست دولية أو محلية، وإنما كونية تتطلب إيجاد سبل جديدة للتعاون بين البشر تقوم على الإيثار وإنكار الذات.


نكران الذات
وأكدت الأبحاث العلمية على مدار الأعوام الثلاثين الماضية، أن الجيل الذي ينكر ذاته يكون بين عمر الخمسين والسبعين، والإيثار الحقيقي موجود بالفعل ومن الممكن أن يمتد إلى ما هو أبعد من ذوي القربي والمجتمع لكي يشمل رفاهية البشر عموما، ورفاهة الأنواع الأخرى أيضا، فضلا عن ذلك فإن من يتبنى إيثار الغير أسلوبا لحياته يشعر بالسعادة الشخصية، ولا يعاني بالضرورة نتيجة أعماله الخيرة، بل إنه على العكس من ذلك يستفيد منها غالبا، في حين يخلق الشخص الأناني (البؤس) لنفسه فضلا عن الآخرين.
كما أثبت علماء الأعصاب – حسب ريكارد - أن هناك ثلاثة من عناصر الإيثار يستطيع أي شخص أن ينميها كمهارات مكتسبة: التعاطف (فهم مشاعر الآخرين ومشاركتهم إياها)، والإحسان والعطاء (الرغبة في نشر السعادة)، والرحمة (الرغبة في التخفيف من معاناة وآلام الآخرين).
إن الإنسانية تواجه ثلاثة تحديات هائلة: ضمان ظروف معيشية لائقة للجميع، وتحسين مستوى الرضا عن الحياة، وحماية كوكبنا. لكن المهمة العاجلة للمجتمع الدولي اليوم، هي السعي لانتشال 1.5 مليار إنسان من براثن الفقر.
وهكذا أصبح موضوع «السعادة» وتحديد العمر الخاص بتحقيقها ليس ترفا بحثيا، إنما ضرورة علمية مستقبلية لتحقيق «السعادة» على كوكب الأرض كله، ووقف التدهور البيئي والحفاظ الثروات الطبيعية للأجيال القادمة، وباختصار علينا أن نأخذ بمفهوم «التناغم المستدام» عند حكومة «بوتان» - تقع في شمال شرق الهند وجنوب الصين - التي تضع في حسبانها بالفعل «الثروة الاجتماعية والثروة الطبيعية» التي يتمتع بها مواطنوها، جنبا إلى جنب مع أرقام الناتج المحلي الإجمالي.

 

المريخ.. ماء الشرب في 2018 والسكن بحلول 2023
لم يغلق ملف الكوكب الأحمر «المريخ» (Mars) منذ قدماء المصريين والرومان حتى اليوم، وغدا. فوجود الحياة فوق المريخ – أقرب الكواكب إلى الأرض – ثبت علميا. أما الجديد فهو الدور الذي سيلعبه العرب في مجال التنقيب عن عناصر الحياة فوق هذا الكوكب في المستقبل، لتشابه البروفيل الجيولوجي لسطح المريخ وصحراء شبه الجزيرة العربية والصحراء المصرية.
فتكنولوجيا الفضاء والأقمار الاصطناعية، مكنت العلماء من التقاط صور حديثة لأودية جافة في المريخ تشبه إلى حد كبير الأودية الجافة في صحراء شبه الجزيرة العربية تحديدا، وهو ما يدل على وجود حياة: مطر غزير وأودية مليئة بالمياه وأنهار تعج حولها الحياة النباتية والحيوانية.
ونتيجة للتغـيرات المناخية الـتي حدثت للمـريخ، أصبح هذا الكوكب أبرد مـما كــان عليـه كما تجمدت مياه البحار والأنهار والوديان، ونتيجـة لوجـود عواصف ترابية ورملية على سطح المريخ، أثبتتها صور سفن الفـضاء، فإن هـذه المياه المتجمدة غُطيت بطبقات من الرمال تتراوح سماكتها ما بين 20 مترا و100.


بكتيريا الثلج
أحـدث ما ظهر من دراسات بـين عامي 94 و1996 في مؤتمر «كُسبار» cospar (اللجنة الدولية لعلوم الفضاء للاستخدامات السلمية)، هو دراسة للحياة تحت الصفر قام بها علماء أمريكيـون وروس للقطبين الشمالي والجنوبي، أثبتوا من خلالها وجود نوع مــن «البكتـيريا» داخـل الثلـج بــين درجات 70 و80 تحت الصـفر، ما يؤكد إمـكان وجود حياة للبكتيريا داخل الثلج فــي المريخ.
والأغرب من هذا، أن الصور الفضائية الملتقطة حديثا أثبــتت أن شــكل المياه المتجمــدة تحت الرمال في المريخ مماثل لشكل الثلوج في القطبين، وهو ما يعني احتمال وجود مياه دافئة عند درجة 4 تحت طبقة المياه المتجمدة وبالتالي وجود بكتيريا حية في المياه الدافئة تحت ثلوج المريخ.
أما المفاجأة فقد كانت 2008 حين اكتشفت وحدة «Phoenix» التابعة لوكالة الفضاء الأمريكية (ناسا) وجود الجليد في الموقع الذي هبطت فيه على سطح المريخ. وأثبت تحليل عينات التربة المأخوذة من المكان وجود الماء فيها.
وتوصل العلماء الذين يعملون ضمن مشروع « mars one» عام 2013، إلى استخدام تكنولوجيا حديثة تسمح بالحصول على الماء على كوكب المريخ، لاستخدامها في سقي المزروعات الضرورية للحياة على الكوكب الأحمر، وذلك باستخدام أشعة الميكروويف. وأثبتت التجارب – حسب صحيفة «نوفيه غازيتا» الروسية - أن الماء المتجمد يتبخر بالتسخين ومن ثم يمكن جمعه في أوان مبردة.


مساهمة سعودية
الشيء الوحيد المقلق للعلماء حتي الآن هو كمية الطاقة الكبيرة التي تحتاجها عملية تسخين المياه المتجمدة، من المتوقع الحصول على الماء 2018 وأن عدد سكان كوكب المريخ سيبلغ 20 عالما في 2023 معظمهم من المشرفين علي مشروع - Mars One.
ويقول رئيس قسم بحوث الشمس والفضاء بالمعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية البروفيسور مسلم شلتوت، إن شعلة الأمل في وجود المياه فوق سطح كوكب المريخ لم تنطفئ لحظة واحدة، ومنذ 1996 وحتى 2005 لم تتوقف الرحلات إلى المريخ، لأنه قريب من كوكب الأرض حيث تصل المسافة إلى 35 مليون كلم، فيما أبعد مسافة عن كوكبنا تبلغ 300 مليون كلم.
وساهمت السعودية ومصر معا في نجاح هذا الاكتشاف، حيث أن سطح المريخ وتربته تشبه إلى حد كبير جدا سطح صحراء شبه الجزيرة العربية والصحراء المصرية وتربتها، وتحديدا منطقة شرق العوينات، كما أن البروفيل الجيولوجي لصحراء العرب يشبه البروفيل الجيولوجي لسطح المريخ، وذلك لوجود خزانات المياه الجوفية وهي تتماثل مع خزانات المياه في المريخ.
ونظرا لهذا التشابه فقد تم اختبار بعض المعدات الفضائية في الصحراء العربية أولا، قبل القيام بعملها على المريخ، ومنها على سبيل المثال «المجس» الكهرومغناطيسي الروسي الذي قام بقياس التوصيل الكهربائي على سطح المريخ. وعن طريقه تم التعرف على عمق المياه الجوفية وحجم الخزانات ونوع الصخور الحاملة لهذه المياه وعمرها الزمني وهو أخطر تكنولوجيا في العالم اليوم.
الأهم من ذلك أن اكتشافات المياه على كوكب المريخ ستقود العلماء أيضا إلى استكشاف المياه في باطن الصحراء الكبرى في مصر وصحراء شبه الجزيرة العربية. وسيكون ذلك فتحا جديدا لمصادر المياه الجوفية وتنمية الصحاري العربية بتكنولوجيا فضائية متقدمة للغاية.