التقنية ووسائل التواصل الاجتماعي أحدثت حالة من التغيير في جوانب متعددة للفرد والمجتمع، ولاشك أنها مؤثرة تأثيرا بالغا في الجدول اليومي لكل شخص، ومن هذه القنوات الاجتماعية »الواتس اب« ومجموعاته »الجروبات« وتأثيرها على المثقف والشأن الثقافي وطريقة استخدامها فيما يخدم الثقافة ومناسباتها وتكويناتها ووجود مجموعات ثقافية هنا وهناك.


صوالين العصر


يرى زيد الفضيل أن مجموعات الواتس لم تبلغ قيمتها المرجوة حتى اليوم، حيث ما يزال يختلط فيها الخاص بالعام، كما أن أكثر مكونها هو الحديث العام، وكأن الموجودين فيها في جلسة عامة وليس في مجلس ثقافي، وبالتالي يصعب اعتبارها صوالين ثقافية منضبطة بقواعد المعرفة، على الرغم مما يلاك فيها في كثير من الأحيان من مواضيع يمكن أن تصب في خانة الثقافة، لكن تعاطيهم لها يكون عرضا وضمن إطار الحديث وسرعان ما يتفلت الأمر ويتداخل الشخصي بالعام والموضوعي بالذاتي.
فيما تقول الكاتبة الروائية رحاب أبو زيد»بالفعل هي ظاهرة نشطة جدا في الآونة الأخيرة، يفترض أن من يقفوا خلفها هم من يؤمنون فعلا بجدية الحوارات والتفاعل الثقافي والفكري وتقبل اختلاف الرؤى».
ويرى المسرحي عبدالعزيز السماعيل أنها أقرب إلى قنوات إخبارية اجتماعية أسرية فيها كثير من الزبد والسطحية والقليل من الفائدة والأهمية، ويمكن اعتبار ذلك عكسا لمدى الوعي عند الفرد والمجتمع وحاجة الطرفين إلى التواصل في زمن القطيعة والانكفاء على الذات. ويقول الشاعر والإعلامي محمد عابس»لا يمكن اعتبار مجموعات الواتس اب (جروبات) صوالين ثقافية أو أدبية أو غيرها، لأنها تفتقد لشروط الصالون وهي المكان والزمان واللقاء المباشر والتنظيم والإدارة والتوثيق، ولكنها وسيلة تواصل مهمة ووقتية، وقد يكون لها بعض الإيجابيات إلى جانب سلبياتها الكثيرة إلا أنها تختلف باختلاف الأعضاء فيها، خاصة أن أسماءهم معروفة سلفا وليس مثل الفيس بوك وتويتر يمكن أن تكون الأسماء غير معروفة»


نوعية الطرح


زيد الفضيل يعد أن مشكلة الفرد في المملكة أنه لا يدرك التعامل مع الغيبي، ولهذا يتصور أنه غير مرئي حين يكون في الواتس، ولهذا نجد بعضهم يغرق إما في المثالية المفرطة أو يحطم كثيرا من الحجب. ويعتقد الفضيل أن التحفظات في الطرح موجودة دائما، تكبر وتصغر حسب الموضوع والأطراف المشاركة فيه.. ولا تزال اللقاءات المباشرة بين الأصدقاء لمن هم في جيله على الأقل أبسط وأكثر انفتاحا من التواصل عبر الهاتف، حسب رأيه، فيما يرى عابس أنها تختلف فيما بينها من حيث الجدية أو الجرأة في الطرح أو المحافظة، مبينا أن معظمها يعتمد على النكتة والترفيه والترويح عن النفوس، ولا يعني أن بعضها لا تطرح فيه الموضوعات والنقاشات. وتقول أبو زيد «بعض المجموعات تتبع أنظمة إدارية صارمة في تحديد محور واحد لكل يوم وتمنع الخروج عنه بأي شكل من الأشكال، مما يشيع شيئا من السيطرة والتحكم الجاف الذي لا يختلف بدوره عن طابع الجلسات الرسمية في خارج جهاز الجوال، وبعضها تغشاه الفوضى وإرسال مقاطع مكررة أو نكات أو أخبار مع التعليق عليها. لا أنتقد أيا من النوعين، لكنني لا أجد الوقت الكافي والوقت المناسب للمداخلة».


التأثير الاجتماعي


يختلف التأثير اجتماعيا من مجموعة إلى أخرى، حسب رأي عابس، بقدر ما يوثق بعضها العلاقات والتعارف ويتحول بعضها إلى نقاشات سفسطائية وربما الغضب والخصام والقطيعة، ويضيف السماعيل «أنا موجود.. بهذه العبارة يمكن التلميح إلى بعض أهمية هذه القنوات الحديثة للتواصل.. أنا موجود لمن يعرفني ويهتم بالتواصل معي.. وأنا موجود للصديق الذي انقطعت سبل التواصل معه.. وأنا أيضا موجود حتى لمن لا يعرفني أحيانا ويريد التعرف علي، لذلك أوجدت هذه التقنية فرصة أكبر للاتصال والتواصل مع الآخرين، ولكنها أيضا أدت إلى إدمان بعضهم عليها بشكل مزعج له ولمن حوله أحيانا كثيرة، إلى درجة عدم تخيل حياته من دونها.. كما أوجدت حالا من الاتكالية والاكتفاء بها بدلا من التواصل الحقيقي بين الناس، وهذا هو الأسوأ والأخطر، لأنه يضعف من أهمية وقيمة الحياة الاجتماعية الأهم»


مديرو المجموعات وأهدافهم


يبين عابس أن هناك من يرغب في التواصل، وهناك الجاد وهناك الباحث عن السلطة أو إحضار نفسه ودعم شخصيته. ويرى الفضيل أن مديري المجموعات الثقافية على شكلين: أحدهما يحمل هما ويريد أن يبثه بين شريحة من المثقفين، والآخر ليس لديه من الهم سوى ما حاط بها من أضواء. ويضيف السماعيل «أظن أن المجموعات تنشأ في الغالب من رغبة عدد من الأطراف للتواصل فيما بينهم، والأكثر اهتماما هو من يدير المجموعة، ولكنني رأيت مجموعات تهدف إلى السخرية فقط من الأحداث، وبعضها أوجد مجموعة جوقة لتمجيد وتعظيم أصحابها أو بعض الأسماء فيها بشكل فج.


عدد الجروبات


لدى السماعيل أربع مجموعات مهمة للعمل والأصدقاء والمنزل والأسرة، وكلها ذات أسماء لها معنى جميل، كما يقول. ولم يقم بإنشاء أي مجموعة إلا أنه شارك في مجموعات غير مفيدة وندم عليها، فيما المجموعات لدى عابس كثيرة، منها ما دخله طواعية، ومنها ما دخله مجاملة، وأسماؤها عادية وبعضها يتغير بين فينة وأخرى ولم ولن ينشئ أي جروب. في حين أن الفضيل لا يؤمن بإنشاء أي مجموعة تعنى بالشأن الثقافي في ظل الذهنية المعاشة، ولهذا لم يقم بذلك حتى الآن. عدد المجموعات لدى أبوزيد في حدود أربع، إحداها نسائية ثقافية بالكامل، وبعضها عائلي للتواصل، ولا تدير أي مجموعة ولم تبادر بذلك، وتضيف «بل تلقيت دعوات لعدد من المجموعات، وأتعجب من عدم إقبالي عليها، وكثيرا ما يحرجني الأصدقاء بحسن ظنهم فأقبل الانضمام في البداية وأٌقبل بحماس على التعارف على الأعضاء، لكنني سرعان ما أفقد شعوري بالانتماء، فأنسحب.. تارة بالخروج من المجموعة، وتارة بالتزام الصمت وعدم التفاعل مطلقا والاكتفاء بالقراءة كلما سنحت الفرصة، ودائما ما أعتذر عن سلبية المشاركة، لكنني لا أميل إلى الوجود في الأماكن المزدحمة ولا أحبها.، خاصة مع تسارع وتيرة النقاش والانزلاق لموضوعات جانبية يضيع معها الموضوع الرئيس، فيضيق وقتي عن اللحاق بها جميعا وترك بصمتي الخاصة بين الجموع.