المثقف المتعالي

يُنظّر المثقف ويحلل ولا يجد له صدى، فيتصور أنه حالة مُتفردة في وسط (العامة) أو (القطيع) أو (البنية المتخلفة) أو (الجماهير الغوغاء) أو أي وصف ينتقيه لوصف المجتمع الذي لا يُنصت له.
فما سبب حالة الصمم هذه؟ وقبل هذا من الـمُصاب بالصمم أصلا؟ الجماهير التي لا يجد المثقف له صدى بينها؟ أم المثقف الذي لا يسمع إلا صوته؟
ولو نظرت إلى حسابات بعض المثقفين في مواقع التواصل الاجتماعي التي تقوم في أساسها على التواصل والتفاعل تجدهم يستخدمونها كمنبر يُعزز فكرتهم عن (تفردهم) فيكتبون ولا يتفاعلون، وكأنهم ما وُجدوا إلا لحصد الإعجابات والتفضيل وإعادة التغريد...
حتى إن بعضهم في (تويتر) مُتابع من قبل آلاف المشتركين، بينما عدد الـمُتابعين في قائمته هو (صفر).
وبالنظر إلى التراث العربي نجد ما يُعضّد هذه الرؤية المتعالية، فالمثقفون هم (الخاصة) في مقابل (العامة) وهم (الصفوة) في مقابل (السوقة) ففي المحاسن والأضداد: "السوقة سفل، والصناع أنذال، والتجار بخلاء، والكتاب ملوك على الناس".
وفي الإمتاع والمؤانسة ذكر لأصناف الناس في الدنيا وعقولهم، وبعد ذكر الملوك وخاصتهم، والشعراء، والبلغاء والعلماء، يأتي ذكر عامة الناس: "... تركنا صنفا لم نرسمه بالذكر، ولم نعرض له بالاستيفاء، وهم الهمج الرّعاع الذين إن قلت: "لا عقول لهم" كنت صادقا، وإن قلت: "لهم أشياء شبيهة بالعقول" كنت صادقا"
والمقولة تعترف بأنهم الأكثر عددًا، ولذلك فهم عمارة للدنيا ومصالح لأهلها، ويجب ألا يُشتموا باعتبار نفعية ما يصنعون –لا باعتبار إنسانيتهم- لأن هؤلاء (الغوغاء) (يُخرجون الغريق، ويطفئون الحريق، ويؤنسون الطريق، ويشهدون السوق).
وقد أدّى هذا التعالي إلى ظلم النقد لبعض الأجناس الأدبية وظلم بعض الشعراء، وسيكون هذا موضوع المقال القادم.
