تكاد تكون المرة الأولى التي أعيد فيها الاستماع إلى خطبة جمعة أكثر من مرة، لا لشيء إلا للتدقيق في معانيها ومفرداتها. هذا بالضبط ما حدث مع خطبة الحرم المكي الشريف للدكتور صالح آل طالب.
والسبب في ذلك أن خطيب الحرم قسم خطبته إلى قسمين، الأولى وجهها لعموم المسلمين والثانية خصنا بها كسعوديين، حيث شن في الأولى هجوما لاذعا على دعاة الفتنة والمؤامرة في العالم الإسلامي ممن يسعون للإيقاع بين الفرقاء من المسلمين فتظهر العداوات وتتأزم النفوس وتشتعل الحروب وتخرب الديار، فيما اختصر الأزمة الداخلية في نفر قليل ممن »يشيعون بأن منهج أهلهم هو سبب الفتنة«.
الغريب أنه ساق في سبيل تأكيد ذلك العديد من البراهين التي سأوردها هنا دون تصرف، مثل قوله »منهج المملكة منذ قامت في مراحلها الثلاث شريعة ونظام وتدين ودستور لم ينتهك حق طائفة«... »منذ قامت هذه البلاد وفيها مواطنون يعتقدون مذاهب مخالفة لعقيدة الغالب من سكانها حفظت لهم هذه البلاد خصوصيتها فلم تلجئهم لمعتقد أو تهجرهم الأرض«... »إن لهذه البلاد تجربة رائعة في التسامح والعدل ونبذ التعصب والإقصاء وهو مبدأ نشأ معها«... »لم يؤثر أبداً أن هذه الدولة وهي في عنفوانها وقوتها أكرهت أحداً على دين أو تعصبت ضد أحد بناء على عقيدته أو طائفته«... »إن من أعظم إنجازات هذه البلاد إنهاء التعصب المذهبي الفقهي بعدما كان المسلمون يصلون خلف أربعة أئمة متفرقين بالمسجد الحرام«... »عندما شكلت هيئه كبار العلماء لهذه البلاد كانت تضم علماء ينتسبون إلى المذاهب الفقهية الأربعة ولا زالت كذلك منذ أكثر من أربعين عاما«.
الأكيد أن منهج المملكة حكومة ودستورا لا يختلف عما ذكره آل طالب، وبالتالي فهو عندما يعيد على مسامعنا هذه المسلمات فكأنه يلقي بلائمة ما يحدث في بلادنا على العدو الخارجي، وهذا الأمر غير دقيق على إطلاقه، فمشكلتنا الحقيقية تكمن في التطبيق وليس التشريع. بمعنى أن المناهج التعليمية لا تحض على الطائفية، ولكن هناك معلمون يدفعون طلابهم إليها. ووزاراتنا تدعو للحفاظ على الآثار الإسلامية، و»المحتسبون« يدمرونها. وهيئة الأمر بالمعروف تدعو إلى تغليب حسن الظن بالناس، بينما أفرادها يسيئون لهم. ودولتنا تتصدر رايتَها عبارةُ التوحيد، ولدينا أكبر حرامية وسراقي أراض في العالم. وقوانينا تجرم المخدرات بأنواعها، وبلدنا تدخله أكبر كمية منها.
وعليه فإن خطيب الحرم عندما يمرر على مسامعنا مثل هذا الحديث، فكأنما يدعونا إلى دفن رؤوسنا في الرمال، والجزم بأن الخلل من غيرنا وليس منا، وهذا بالتأكيد غير صحيح، فلو لم يكن الخلل موجودا في أدمغة كثير منا، لما ظهر بعضنا على هيئة »مفجرين« في مناطق النزاع، أو محرضين في مواقع التواصل.
يبقى القول إنه كان الأولى بخطيب الحرم كما شخص داء العالم الإسلامي أن يكون أكثر دقة وهو يضع يده على مكمن الخلل الداخلي، لأن الهروب عندما يكون إلى الأمام فإن عواقبه وخيمة ولا يمكن تلافيها مستقبلا، وهو ما يجب أن يقلق حياله.

