أقصد بالترحيل هنا ترحيل من حصل على الجنسية وعُدّ منتميا إلى هذه البلاد، ثم رُحِّل إلى بلاده الأصلية بعد إقامته سنوات عديدة، إذ لحظنا تفاعل الإعلام والكتاب مع قضيتي اثنين من المرحلين إلى وطنيهما الأصليين تفاعلا كبيرا فاق ترحيل آلاف من الذين يخالفون نظام الإقامة، ويعود الأمر إلى كون الأمر خلق شبهة ما لدى المتلقين حول قضيتي هذين الشخصين: أحدهما مصري والثاني صومالي، وبصرف النظر عن المصالح الشخصية التي تثير جوانب من هذا التلقي في مواقع التواصل الاجتماعي، إذ تناول بعض المغردين في (تويتر) أن أحدهما قد رحل "بادعاء أنه مخالف يعمل في مؤسستين وعلى إثر ذلك فقد صدر بحقه قرار إبعاد عن المملكة" كما ورد في موقع (السي إن إن) العربية، إلا أن هذين الشخصين قد رحلا دون أن تبرز الأسباب الحقيقية لذلك، ولاسيما أن أحدهما كان يعمل في قطاع عسكري وهو قطاع الجوازات، ويمارس الآخر جهودا إعلامية، ونلحظ أن الموقع الرسمي للمديرية العامة للجوازات قد أشار عن طريق الناطق باسم المديرية إلى "أن ما تم تداوله عن ترحيل الجوازات لمواطن سعودي "موضوع عار عن الصحة" حيث أن المرحّل "غير سعودي وهو صومالي الجنسية وصادر بحقه قرار إبعاد لعدم مشروعية بقائه داخل المملكة".
إن المشكلة في رأيي تتجلى في الترحيل بوصفه عقابا أوليا وسريعا للمرحَّل، ويبدو حلا مريحا للمرحِّل، ذلك أن الترحيل لمن منح الجنسية أو حصل عليها يثير إشكالا كبيرا في مفاجأته للجميع، فهو موجه إلى سعودي في نظر المتلقين الذين لا يعرفون ما وراء الأكمة، وربما كانوا غير عارفين بنظام الجنسية الذي يشير في إحدى مواده إلى أنه "يجوز بمرسوم بناء على اقتراح من وزير الداخلية وموافقة رئيس مجلس الوزراء سحب الجنسية السعودية من المتجنس بها في أي وقت إذا ثبت أنه قد حصل عليها بناء على أقوال كاذبة أو بطريق الغش أو الخطأ أو التزوير أو التزييف في الشهود أو الوثائق أو المستندات أو البيانات التي قدمها للدخول فيها" ويؤكد في مادته التالية على ما يترتب على سحب الجنسية من المتجنس بها وهو "زوال هذه الجنسية عن صاحبها وسحبها أيضا ممن كان قد كسبها من المتجنس بطريق التبعية فإذا أثبت أن من اكتسبها بالتبعية من ذوي الأخلاق الحسنة وثبت عدم وجود ما يمنع منحه الجنسية فتمنح له مع احتساب المدة الماضية له". ولذلك كان على المديرية العامة للجوازات في وزارة الداخلية أن تشرح بالتفصيل بعد ذلك ما حدث، فأضحى الحل المريح والسريع إشكالا صعبا، وهذا الإشكال يحتاج إلى حل، فتتضاعف المشكلات والحلول، وتتفاعل وسائل الإعلام نتيجة لذلك.
ولعل قرارت الترحيل والإبعاد لمن حصل على الجنسية في أغلبها لا تأتي إلا نتيجة فعلين رئيسين هما: التزوير وذلك أمر غير معيب في حق الجوازات إن تمكنت من فضحه، أو مخالفة السياسة العامة للمملكة، وكلا الفعلين ينبغي أن يخضعا للقوانين السائدة في البلاد بوصفه ارتكب المخالفة وهو موجود على أراضيها، وعقوبات التزوير أو مخالفة السياسة العامة للمملكة معروفة، ينبغي أن تتم أولا، ومن ثمّ يكون الترحيل تاليا، وأن لا تضع المديرية العامة للجوازات نفسها في موقع الحكم، وعلى جهات أخرى كالتحقيق والادعاء العام والقضاء أن تباشر مهام التحقيق والإدانة، ومن ثمّ قضاء العقوبة قبل إسناد مهمة الترحيل إليها، وفي جميع هذه الخطوات يظل الإعلام متابعا للموضوع، وملمّا بالتفاصيل.
إن مثل هذا سيمنع الإدارة العامة للجوازات من شرور تكرار تزوير الهوية على سبيل المثال، ويجعلها بعيدة عن الاتهام الذي يظهر بين وقت وآخر حول كونها ترحل سعوديين من بلادهم عن طريق الخطأ أو الظلم، ويقنع الناس بأحقية هذا الترحيل بوصفه عقوبة أخيرة لمزور أو مخالف، بل سيكون هناك اقتناع عام بفداحة الخطأ من جانب وأهمية العقوبة من جانب آخر.
لا... للترحيل أولا
معجب العدواني3 دقائق للقراءة

حجم الخط
