ما إن انتهت الهزة الأرضية التي ضربت جازان وعسير ونجران – الخميس الماضي - حتى أصيبت مواقع التواصل الاجتماعي بما يشبه الـ"هزات الارتدادية"! لتدور أغلب الرسائل في فلك الوعظ السطحي كالمتّبع؛ لدرجة استجلاب بعضها من على "الرفِّ" لكوارث سابقة – كهزّات العيص وسيول جدة - بتغيير المسمّيات فقط!
ولا اعتراض على قضاء الله دون شك؛ ولكن بعض وعّاظ "الأبراج الرقمية" – هداهم الله - جنحوا إلى أنّ تلك "الهزّة" سخطٌ مستحقٌ لا رحمة فيه من الغفور الرحيم! يشيعون ذلك بنبرة استعلاء وكأنهم بلغوا الغاية في التقوى والعلم؛ جازمين بسوء وفسق غيرهم، وأنهم أهلٌ لما أصابهم نظير عصيانهم! والجزم منهم كبشرٍ بذلك فيه تجنٍّ ومساوئ؛ منها تغليب "سوء الظن" المحرّم؛ ورمي غيرهم بما ليس فيهم بهتاناً؛ وكأنهم تناسوا أن الكوارث - المقدّرة بسابق علم الله - داخلة في باب الابتلاء أيضاً حتى للمؤمن بما هو خيرٌ له إن صبر! (ولنبلونّكم بشيءٍ من الخوفِ والجوعِ ونقصٍ من الأموالِ والأنفسِ والثمراتِ وبشّر الصابرين) (البقرة: 155). وربما حملتهم غفلتهم الحماسية للتغاضي عن بعض الحقائق العلمية لطبيعة الأرض؛ والتي هيأ الله لها خصائص تجدد بها نشاطها - ضماناً لاستمرار الحياة عليها - بحدوث بعض الظواهر كالزلازل والبراكين مثلاً! عموماً يظل أسوأ ما تفرزه تلك النظرة القاصرة اتّخاذ الابتلاء وسيلة للإيذاء؛ بالانتقاص والتشنيع والتهكم على فئةٍ أو منطقةٍ بعينها؛ أو حتى المتاجرة بطارئٍ مؤلمٍ لا يحتمل نبرتهم الاستعلائية وتفسيراتهم الغرائبية؛ بقدر ما يستوجب التضامن والمواساة سعياً لتخفيف الأثر الصادم؛ وتحقيقاً لما تمليه المسؤولية الاجتماعية وروابط الإخاء والإنسانية والمواطنة؛ وقبل كلّ ذلك مبادئ الدين الحنيف. فإن عزَّ كل ذلك فلا أقل من قيام "الواعظ المحتقن" بكفّ الأذى وإماطته؛ لا عن الطريق؛ بل الصادر من لسانه وحروفه "الرقمية"؛ التي تسعى - تلبّساً بالتديّن - للاصطياد في الماء العكر؛ فيما هي تخاف الماء أصلاً