في كل لغة من لغات العالم متسع للأخذ والعطاء.
.
والنقص والنماء.
.
والحياة والفناء.
فاللغة وسيلة رائعة وسلسة للتواصل مع الآخرين، وكم سيكون الوضع مأزوما ومتعبا لو كان التواصل بغيرها! فهي سهلة لا تكلف متحدثها جهدا.
.
وغنية قد تكسب أهلها حظا وجدا.
.
وهي ساحرة تأخذ بالألباب، وتؤلف الأفئدة وتجمع الأحباب.
.
لكنها قد تغدر بمن لا يلقي لحسن اختيار كلماتها بالا، وتعرض عمن اتخذ جدها هزلا وظن بها خيرا فانقلبت وبالا! فاللغة لمن أدرك سرها وامتلك مفاتح كنزها كعصا موسى مطواعة.
.
تفجر له عيون الكلام، وتشق له من بحور الشعر العظام، وترخي له من جانح اللفظ الزمام.
واللغات كما البشر، بعضها كريمة تمنح مفرداتها بسخاء، وتفتح ذراعيها لطالبي الوصل واللقاء، وبعضها ضنينة ومنغلقة، لا تكاد تفرج عن سجين لفظها أو تطلقه.
.
! وولاء الناس للغاتهم أمر لا يدعو للعجب فهي هوية الشعوب، وسلاحهم الخطير النجيب، وإرثهم الأثير وكنزهم الرغيب.
وما اللغة العربية في ذلك إلا مثال، فهي من فرائد اللغات ومن كرائم الهبات.
.
وهي فخر متحدثيها، وتاج حامليها.
.
وقد شرفت عظيم الشرف حين أنزل الله كتابه بلسان قومها: (بلسان عربي مبين).
فلله أنت أيتها العربية! لأنت حقا مبينة لكل حال ومقال.
.
ولكل جواب وسؤال.
.
ولكل ما صال في النفس وجال، لكننا أعرضنا عن عذب بيانك وفصيح تبيانك حتى نكاد - في وقتنا الحاضر - نقول للفصحى: (لا مساس)! هجرناك يا بليغة - ونحن أبناؤك وورثتك - إلى ركيك الكلام، وغريب النظام، فإذا تكلمنا فكأننا حطاب ليل جمعنا اليابس والرطيب.
.
والأليف والغريب.
.
والقديم والقشيب.
.
فجعلناها مرقعة بعد أن كانت نسيجا وحدها، فضعفت بعد قوة وشاخت بعد فتوة ولولا تكفل العزيز الحكيم بحفظ كتابه لضاعت هويتها، واندرست أخبارها! فيا أيها الباحثون عن الدر في الصحراء، والطائرون كالفراش نحو ضوء شمعة وأعينهم مغمضة عن سنا ذكاء.
يا صائدي الكلمات المهلهلة والحروف المغمغمة.
.
ما بالكم حين تردون بحيرة العجمة تغترفون؟ وحين تردون بحر العربية تغمسون إصبعكم ولسان حالكم يقول "إياك إياك أن تبتل بالماء"؟ يا أيها المنبهرون بلغة الاتش، والإكس، والدبليو، إليكم لغة الضاد فانهلوا وعبوا، وأنشدوا إذا طربتم: "يا ليل الصب"! كل الشعوب يا أبناء العربية تفخر بلغاتها، فما بالنا ندير ظهورنا لفصيح لغتنا، ونهش ونبش للغات لا تلائم ألسنتنا! يتكلفها البعض في الحديث تكلفا، ويفتح لها البعض ذراع الود تزلفا، وهو عن لغته الأم معرض وما وفى! فلك الله أيتها اللغة العربية الفخمة الثرة الجميلة.
.
الفصيحة البليغة النبيلة.
.
المعبرة الموقرة الجميلة، أيتها اللغة المتفردة في كتابتها ونطقها وحروفها وضادها.
يا لغة ذات نقاء وصفاء.
.
وجمال وبهاء .
.
إن كانت في الحرب فهي تهدر وتزمجر، وإن كانت في الحب فهي تعطف وتلطف، وإن كانت في العلم فهي تفي وتكفي، وإن كانت في مناجاة الله فلا يجد التائب الآيب أحنى منها تحتوي زفراته وتوسلاته وأسيف كلماته، فتخرجه من ضيق النوح إلى سعة البوح.
إن لغة كهذه من حقها علينا أن نتعلمها ونعلمها للنشء، وأن نفخر بها ونزهو ونتقرب إليها وندنو، ونتواصل بها تحدثا وتدوينا، ونقدمها في مجالسنا ونوادينا.
.
والأجمل من هذا وذاك أن نتقرب إلى الله بحبها وتقديرها فهي لغة كتابه المجيد الذي قال فيه: (إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون).