هناك تطور أخير لفت انتباه كثير من المراقبين في العالم، وهو توجه روسيا للتقارب مع دول منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وخاصة الصين، في الوقت الذي تبتعد فيه عن الغرب شيئا فشيئا. روسيا والصين كانت تربطهما منذ وقت طويل علاقات معقدة وأحيانا مضطربة. حتى بعد اتفاقية الحدود التاريخية بينهما في عام 2004 بعد حوالي نصف قرن من المفاوضات والمناورات السياسية، كانت موسكو مترددة في إقامة علاقات تعاون قوية مع بكين.
بالرغم من أن روسيا ثاني أكبر دولة منتجة للبترول، وأن الصين إحدى أكثر الدول استهلاكا للنفط في العالم، إلا أن الرئيس بوتين كان دائما يتردد في مد أنابيب نفط تربط بين البلدين متذرعا بالعبارة التقليدية «المصالح الوطنية الروسية».
أولاً، منذ بدء الصراع بين أوكرانيا وروسيا، قام الغرب وحلف الناتو، بزعامة أمريكا، بعزل روسيا وفرض عقوبات اقتصادية. بوتين أكد أن روسيا لا يمكن أن تزدهر ما لم توجه صادراتها إلى الأسواق الآسيوية الناشئة.
ثانيا، الحراك والصراعات في بحار جنوب وشرق الصين طرحت دائما تساؤلات حول موقف روسيا منها. ومع إحساس روسيا بالعزلة، بدأ الكرملين يتوجه لدعم الموقف الصيني. التجارة بين البلدين زادت من 20.3 مليار دولار في 2005 إلى 89.2 مليار دولار في عام 2013، ومن المتوقع أن تتجاوز 200 مليار دولار في عام 2020. الاتفاق الأخير الخاص بتزويد الصين بالغاز لمدة 30 سنة من روسيا بمبلغ 400 مليار دولار مقابل مساعدات عسكرية يعزز أيضا العلاقات بين البلدين العملاقين. روسيا شاركت مؤخرا في نقل غير مسبوق للتكنولوجيا العسكرية مع الصين. الصين وروسيا تبادلتا معلومات استخباراتية سرية حول أنظمة اتصالات عسكرية بالإضافة إلى توقيع 38 اتفاقية تتعلق بالتكنولوجيا المتطورة، الطاقة، وملاحة الأقمار الصناعية.
من الممكن جدا أن أوروبا والولايات المتحدة تخسران روسيا لصالح الصين، مما يثير احتمال حدوث حرب باردة جديدة، بالرغم من رغبة واشنطن في الحفاظ على استقرار منطقة آسيا والمحيط الهادئ.
من المثير أن هناك عدة نقاط تشابه بين الحرب الباردة في سبعينيات القرن العشرين والنوع الجديد من الحرب الباردة. الاتحاد السوفيتي في عهد بريجنيف كان يخوض صراعا خطيرا ضد الحلف الغربي بسبب اعتراض السوفييت على الخطط الأمريكية لنشر صواريخ بيرشينج في أوروبا الغربية. حاليا، بوتين غير راض عن الخطط الأمريكية لنشر صواريخ اعتراض دفاعية وأنظمة رادار في جمهورية التشيك وبولونيا. نقطة التشابه الأخرى هي الغزو الروسي لجيرانها. في 1979، دخل الاتحاد السوفيتي إلى أفغانستان لقتال المجاهدين، فيما دخلت روسيا إلى جورجيا في 2008 ومؤخرا إلى أوكرانيا، مما أثار غضب الغرب.
ومع ذلك هناك سبب آخر يجعل روسيا تميل إلى آسيا وهو الأهداف المشتركة التي يتقاسمها الطرفان. روسيا تستطيع أن تقدم الطريق القطبي لمنظمة دول جنوب شرق آسيا كبديل لمضيق ملقا. خطة تطوير سيبيريا والشرق الأقصى ستوفر بالتأكيد فرصا جديدة لآسيا للتفاعل مع روسيا، كما سيمكن ذلك فرصة لروسيا لتصبح جسر اتصال لأوراسيا.
بالإضافة إلى ذلك، تستطيع روسيا أن تقدم إنتاجها البترولي والتكنولوجيا اللازم لمساعدة دول منظمة جنوب شرق آسيا، بما في ذلك صناعة النفط والغاز المتراجعة في إندونيسيا.
إن العجلة الدائرة للسياسة الدولية تزداد سرعة. الولايات المتحدة والصين وروسيا هي التي تقود العجلة، والعالم ينتظر ويأمل ألا تقوده هذه الدول إلى نهاية مغلقة.