التدين الإيجابي يعني الصلاح والتقوى، محبب للنفوس في مجتمعاتنا المتدينة بطبيعتها، وبعيدا عن المظاهر التي ينتهجها المتدينون اليوم، فإن بذرة العاطفة الدينية قوية في الضمير الجمعي للأمة، مصداقا لحديث «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد ...» لكن المؤلم أن التدين اليوم نحا عن إيجابيته إلى المعنى السلبي ليصبح رفيق القسوة والغلظة، يجنح به صاحبه إلى التشدد، وفرض رؤاه ووجهة نظره بأي طريقة؛ لأنه ينطلق من قاعدة حجاجية مع كل من يخالفه، وقد رسخ في ذهنه أنه مالك الحقيقة الأوحد، تؤزّه عاطفته إلى ضم الآخرين لما يعتقده، دون النظر إلى عواقب غلظته المنفرة.
ما يحدث من تشنج اليوم في القضايا الخلافية بين المذاهب والطوائف والديانات المختلفة، وطبيعة الخطابات الملتهبة الموجهة من المتدينين إلى مخالفيهم، لا تؤسس لتقارب ولا لفتح نافذة حوار صغيرة، فحينما يبحث كل طرف عن الاختلافات بينه وبين الآخر، ويلقي بكل المشتركات في بحر لجيٍّ من التجاهل، ويعمد بعضهم إلى نبش كتب التاريخ والسير بحثا عن مواطن العداء الميتة، ثم ينفخ جمرتها حتى تلتهب من جديد ليذكي الصراع، وقد تناسوا مصابيح الهداية القرآنية في مثل قوله تعالى (فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً) وقوله تعالى (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً) وقوله (وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ)، فبالله عليكم لو توقفنا أمام الآية الأخيرة وفهمنا أن الله سبحانه قد زيّن لكل أمة عملها، وهو أولى بها وبحسابها، أليس أولى من معاقبتنا للناس وحكمنا وعدائنا للآخرين؟
دين الإنسان لنفسه، ووزره عليها، ولستُ واعظا لأذكر بكل النصوص الشرعية التي تؤكد هذا، فمتى ما تمكنت التقوى من قلب المتدين ستمنحه طاقة قوية يجب أن يصرفها فيما ينفع الناس، ويسهّل معاشهم، ولا يصرفها في العنف والتعبئة ضد الآخر أيا كان، ومهما كان سمو الغاية، فلله حكمته في اختلاف عقائد الناس، ولو أرادهم على دين واحد ومذهب واحد لجعلهم، فلا حاجة لأن تهدر وقتك وصحتك وطاقتك في فرض وجهات نظرك العقدية أو المذهبية على الآخرين، وتغفل عن واجباتك في بناء نفسك وأمتك، ولعل سيرة محمد صلى الله عليه وسلم زاخرة بأمثلة التسامح الحقيقية، أقربها قصته مع اليهودي الذي افتقده بغياب الأذى الذي كان يلقيه يوميا على طريق النبي الكريم، فأتى داره يسأل عنه ليجد أن المرض أقعده عن إيذائه، فماذا كانت النتيجة؟
قبل أيام تحتفل «قوقل» بالذكرى المئة للعالم اليهودي «جوناس سولك» الذي أنقذ بأبحاثه أطفال أمريكا والعالم من الشلل رغم مضايقة الأمريكيين لليهود آنذاك، ثم طوّر زميله العالم «سابين» اللقاح على ما هو عليه اليوم، رغم كونه ممنوعا من دخول جامعات أمريكا بسبب لقبه «سابرشتين» الدال على ديانته اليهودية، لكن إنسانيتهما حفزتهما إلى نفع الناس بما وفقهما الله إليه، فخلّدا سيرتهما في التاريخ الإنساني، فلو تعصّبا لديانتهما المنبوذة في مجتمعهما، وصرفا طاقتهما في العداء والتأجيج؛ لما حصدت الإنسانية من تعبهما إلا ما تحصده مجتمعاتنا المسلمة اليوم وهي تُتهم بالعداء والتشدد، حتى صار الإسلام والمسلم أيقونة الإرهاب والفوضى والدمار الأولى، ومهما جابهنا الآخر واتهمناه بقصد تشويهنا، ففي قرارة أنفسنا نعلم أن بعدنا عن «التسامح» أسمى معاني الإسلام وأجل صفاته، هو السبب الرئيس لهذه الصورة.
لو توقف اليابانيون عند قنبلتي «هيروشيما وناجازاكي» وصرفوا طاقتهم لأخذ الثأر من الأمريكيين، وكرسوا تفكيرهم كله في هذا الاتجاه، لكانت اليابان مثل غيرها اليوم، لكن ذكاءهم وجههم إلى صرف غضبهم وثأرهم تجاه بناء اليابان، التي أصبحت ترهبها أمريكا وغيرها، فمتى نتوجه حقيقة إلى صرف انفعالاتنا إلى بناء الإنسان والأوطان، فالدين محفوظ بوعد ربه.
التدين.. طاقة مهدرة!!
أحمد الهلالي3 دقائق للقراءة

حجم الخط
