أكد خبراء أن الأمن الغذائي في المملكة يشكل هما وطنيا، فالاعتماد على الاستثمارات الزراعية الخارجية واعتبارها مصدرا للأمن الغذائي مقلق نظرا للتغيرات السياسية التي تحدث بين فترة وأخرى في الدول المستثمر فيها.
وأشاروا إلى أن هناك أصنافا لا بد من الاكتفاء منها داخليا ولو بشكل جزئي كالقمح، تجنبا لضغوط التقلبات في هذه السلعة الاستراتيجية.
ورأوا ضرورة الاستفادة من تجارب الدول الأخرى في تحقيق الأمن الغذائي ومن بينها تجربة استخدام ماء البحر غير المحلاة في ري المزروعات.
مستثمرون يبيعون منتجاتهم حيث زرعوها
حققت المملكة اكتفاء ذاتيا حسب الإحصاءات الرسمية في بعض الأصناف كالتمر الذي يصل إنتاجه سنويا إلى مليون طن، كما وصلت نسبة الاكتفاء في منتجات الخضار بـ 93 %، والدواجن 42 %، واللحوم الحمراء 38 %، والأسماك 37 %، إلا أنه ما زال هناك حاجة لرفع هذه النسب خاصة في الدواجن، حيث يتم استهلاكها بشكل كبير، ومن المتوقع أن يتضاعف استهلاكها خلال العشر سنوات المقبلة إلى 50 %.
يضاف إلى هذه القطاعات انتاج الخضار، والذي بلغ إنتاجه السنوي نحو 18 ألف طن، كما بلغ إنتاج الفاكهة السنوي نحو 25 ألف طن، وهذه المعدلات تشير إلى قدرة المملكة على الاكتفاء الكامل من الخضروات.
هناك أصناف لم تستطع المملكة تحقيق الاكتفاء الذاتي فيها كالقمح، الذي اكتفينا منه سابقا، ولكن الحكومة قررت إيقافة بالتدريج ليتم التوقف عن إنتاجه نهائيا في 2016 للحفاظ على المياه، وحاليا تستورد المملكة سنويا نحو 75 % من احتياجاتها منه، لذا أطالب بالاكتفاء الجزئي في إنتاج القمح، وبنسبة تغطي 50 % من احتياجاتنا تفاديا للاضطرابات التي تحصل في البلدان المنتجة، ومن المتوقع يرتفع استهلاكه خلال السنتين المقبلتين إلى نحو 4 ملايين طن.
أرى أن هناك إمكانية لتحقيق اكتفاء جزئي من القمح، فزراعته تتم في فصل الشتاء وتستغرق ما بين ثلاثة إلى أربعة أشهر، مما لا يشكل هدرا في المياه وسيجنب المملكة ما قد يحدث في البلدان المصدرة للقمح.
أما الأصناف التي لم يتم الاكتفاء الذاتي منها هي: الأرز، فول الصويا، الذرة، الشعير، البنجر، وهي الأصناف التي تم تركيز الاستثمارات الزراعية في الخارج على زراعتها، ويعد هذا التوجه مصدرا جيدا للأمن الغذائي، وتمت بالفعل الاستفادة من منتجاته التي تم استيرادها من جنوب أفريقيا والسودان ومصر وإثيوبيا وشرق آسيا وأوكرانيا والهند وفيتنام وبورما، وهناك التزام من البلدان التي حددت للاستثمار بتأمين وحفظ حقوق المستثمرين بناء على الاتفاقات بين الحكومتين في هذا الجانب.
أشير هنا إلى أن هناك مستثمرين لم يكونوا ضمن مبادرة خادم الحرمين الشريفين للأمن الغذائي، وآثروا بيع منتجاتهم في البلدان التي استثمروا فيها، أما بخصوص المستثمرين ضمن المبادرة فإن منتجاتهم تصدر للمملكة بنسبة محددة بـ 50 % من إنتاجهم.
عضو اللجنة الوطنية الزراعية المهندس عيد المعارك
تغيير الأنظمة أبرز التحديات
يواجه الاستثمار الزراعي في الخارج، لتحقيق الأمن الغذائي في المملكة، تحديات من ضمنها بعض الأنظمة الجديدة التي أقرت بعد أن بدأت الاستثمارات السعودية نشاطها في بعض الدول المختارة، إذ فرضت إثيوبيا على المستثمرين بيع محاصيلهم بالكامل داخل الدولة، وهذا الأمر أدى إلى انسحاب بعض من هذه الاستثمارات لأن الهدف الأساس منها تنفيذ مبادرة خادم الحرمين الشريفين للأمن الغذائي.
لذا ينبغي أن تعد الجهات المسؤولة عن مبادرة خادم الحرمين للأمن الغذائي استراتيجية لتنفيذ هذه المبادرة وتحقيق أهدافها التي من أجلها أطلقت، فمن الضروريات أن تكون هذه الاستثمارات في مناطق ودول آمنة، ولتحقيق ذلك يجب أخذ ضمانات من الدول التي يستثمر فيها لحفظ حقوق المستثمرين، وأن يؤخذ بعين الاعتبار وفي الأساس أن تكون البلد بعيدة عن الصراعات السياسية، وأن تكون القوانين فيها واضحة للمستثمر الأجنبي، وأرى أن الفرصة مهيأة لمصر حاليا في ظل تعيين الحكومة الجديدة لاستقطاب استثمارات سعودية زراعية بشرط ضمان الحقوق.
حققت المملكة في فترة سابقة اكتفاء ذاتيا في القمح، ولكن نتيجة استهلاكه الكبير للمياه أمرت الحكومة بخفض إنتاجه سنويا خلال خطة زمنية حددتها لحين إيقاف إنتاجه بالكامل في 2016، وهذا يعد خطأ يجب تداركه، فإيقافه نهائيا محفوف بالمخاطر، فنحن لا نعلم مدى استقرار الاستثمارات الخارجية في البلدان المضيفة لها، بالإضافة إلى أننا لا نضمن استقرار البلدان التي نستورد منها هذا المحصول الاستراتيجي، مضيفا أنه يجب الإبقاء عليه بنسبة معينة لمواجهة مثل هذه الاحتمالات.
أرى ضرورة الاستفادة من التاريخ الإسلامي في عملية الاستثمارات الزراعية في المناطق الآمنة كما حدث في عهد الخليفة عمر بن الخطاب في عام الرمادة.
رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات الاستراتيجية والقانونية الدكتور أنور عشقي
الاستفادة من تجربة الصين في استخدام مياه البحر للري
الاستثمارات الخارجية لا تعد مصدرا رئيسا للأمن الغذائي، لأن الظروف السياسية تتغير وخاصة في الدول غير الديمقراطية، إذ لا تشكل بيئة استثمارية ناجحة، لذا أطالب بتعزيز الاستثمار الداخلي من خلال تبني الحلول التي لجأت إليها الدول لمواجهة مثل هذه الحالة واستفادت منها.
أؤيد الاستفادة من التجربة الصينية التي نجحت في استخدام ماء البحر للزراعة، إذ أجرت الصين دراسات في الهندسة الوراثية للزراعات، ونجحت من خلالها في زراعة الكثير من الأصناف ومن ضمنها الطماطم والمزروعات الورقية الأخرى وما زالت ماضية في استخدام هذا المياه في مجالات أوسع.
وأرى أن هذا الحل يصلح في المملكة، نظرا لأنها تطل على البحر الأحمر والخليج العربي مما يكفل لها توفر مصدر المياه متى ما طبقت التجربة الصينية واستعانت بالخبرات الصينية في هذا المجال وتطوير التقنية بما يتناسب مع بيئتنا، كما أنه من الضروري اللجوء للاستزراع البحري، حيث توجد في البحر ثمار كثيرة تحقق لنا الاكتفاء.
مما لا شك فيه أن اللجوء إلى مثل هذه الحلول ضرورة احترازية، خصوصا مع ما نراه من اختلاف في نسبة هطول الأمطار في المملكة عما كانت عليه قبل 100 عام وهذا يرجع إلى التغير المناخي والاحتباس الحراري الذي اشتكت منه الدول ومن ضرره الحالي والمستقبلي.
أستاذ البيئة في جامعة الملك عبدالعزيز الدكتور علي عشقي

