ننزعج، نحن العرب، عندما نتحدّث عن تخلفنا الصعب ولكننا نعرف بشكل صارم أن الخروج منه يقتضي بالضّرورة استنفارا حقيقيا لكل الوسائل المادية والعقلية والثقافية أيضا. فالتخلف ليس مرتبطا دائما بالفقر أو بالحاجة بالمعنى المادي للدول، فهو أيضا مسألة عقلية. الكثير من الأمم الغنية فقيرة في حياتها اليومية، وشعوبها تموت يوميا بالمئات وربما بالآلاف بسبب الإهمال والأمراض والجريمة الموصوفة، مثل الكونغو الغنية بالذهب والخيرات الباطنية، أو نيجيريا إحدى أهم الدول النفطية في أفريقيا، وغيرهما. فلا بنية تحتية تستحق الحديث عنها. 
الغنى موجود، لكن المشكلة الكبيرة تتلخص في حكمة التسيير والبنية الثقافية. وفي المقابل، الكثير من الدول الفقيرة في مواردها الطبيعية، لا تملك الشيء الكثير حتى لسد استهلاكها الضروري اقتصاديا، بل أكثر من ذلك كله، عليها أن تقاوم من أجل وجودها على وجه الكرة الأرضية، لأن الطبيعة وضعتها في عمق بحر ممزق على شكل جزر، وزلازل مدمرة واضطرابات طبيعية اضطرت هذه البلدان للتأقلم مع الطبيعة. اليابان مثلا، التي لا أحد اليوم يشكك في عبقريتها وقدراتها على تخطي كل الصعاب بما في ذلك جحود الطبيعة وقسوتها مع إمكانات وخيرات طبيعية منعدمة. الرهان الأكبر كان على الإنسان. على العقل الخلاق الذي يتبصر معضلاته المادية والثقافية بموضوعية. 
أكبر كنز لا ينفد هو ذلك الشخص الذي يفكر في كيفية إنقاذ أرضه من هلاك مبين ومدها بالتفكير في إمكانية الخروج من الأزمات المحدقة.
تخلفنا إذن في الوطن ليس في الخيرات، فقد حبت الطبيعة هذه الأرض بكل الضرورات للتقدم والهرب بعيدا من ناحية التطور المادي والذهني، ومنحتها أيضا طاقات خلاقة لا يسير العالم من دونها، ويجعلها تتحكم في اقتصادات العالم وتسيرها وفق مصالحها، لكن شيئا من ذلك لم يحدث للأسف. بل إن الوجود المادي والثقافي العربي أصبح اليوم مهددا. المشكلة في الوطن العربي اليوم هي في العقل النائم والمسترخي أبدا، والمكتفي بالاستهلاك، وبإعادة إنتاج نفسه باستمرار وفق رؤية بسيطة تتحكم فيها اللحظة بمآزقها. كم نحن في حاجة حيوية إلى تفعيل هذا العقل الثقافي والحضاري، الذي لا ينضب معينه أبدا، بدل قتله واضطهاده.