تبدأ: «الفتنةُ» صغيرةً ولا تكاد تُرى إلا من قبل المُبصرين، وتأتي من قلِةٍ قد لا يُكترث لها بادي الأمر، وغالبا ما تكون هذه القِلّة مُنتَجاً لتدينٍ منقوصٍ عالةٍ في الفهم/ والمدركات على نصٍ ليست لدال ألفاظه فاقهةً ولا لمقاصده مدركة مستوعبةً، أو لعقل خفيفٍ تطيش موازنه في قراءة المآلات، أو لمآرب سياسيةٍ خفيّة تُحسن ارتداء الأقنعة على تباينٍ في ملامحها، وهمُ بمجموعهم: «مِنّا» - بحسب المصطلح القرآني - من أولئك الذين ظَلموا؛ إذ ليس اجتراح الفتنِ شأناً خارجيّاً يشتغلُ عليه الآخرون ابتغاء ترحيله إلى مرابعنا عنوةً من أمكنةٍ قصّيّةٍ ما بين فينةٍ وأخرى كما يُشاع زوراً/ أو جهلاً؛ بل هو: «من عند أنفسنا» وبالوصف الذي يبقيه شأناً داخلياً يحمل كلّ جينات تكويننا، وعليه فنحن بداهةً من نتحمّل تبعات اجتراحه.. وحسبك أنّ المدوّن من تراثنا والمفصّل من تاريخنا قد اتفقا على صحةِ هذا القول؛ بوصفهما شاهدي إثبات على حقيقةٍ لا يمكن أن تُغطّى شمسها بالغربال، كما وأنهما - تراثنا وتاريخنا - يؤكدان على ترشحنا في كلّ حين وتأهلنا بامتياز لتكرار ما كان قبلاً في مشغولات أسلافنا منذ الفتنة الكبرى.!
وعلى أي حالٍ.. فإنّ هذا الاجتراح للفتن لا يلبث هو الآخر أن يطغى في عتوٍّ من الاستكبار فتتسع بالتالي مساحةُ إفساده، وتكون الغلبةُ لتلك «القّلة» حتى توشك أن تكون هي: «الكثرة»، ذلك أنّ الغفلةَ عن مقدِّماتِ إيقادِ الفتن - وإن صغُر حطبه - وعن عدم الحؤولة بفقهٍ راشدٍ وبحكم حاسمٍ دون تناميها تناسلا حتى ظنّها كثيرون هي الأصل ما سهّل الخضوع تالياً لغلبتها بحُججٍ متهافتةٍ.. فإنّ من شأنِ كلّ هذا الوهن في المعالجةِ حسماً لمادة الفساد المتغلغل في تضاعيف كل فتنةٍ صغيرةً كانت أو كبيرة والتباطؤ بالتالي في استئصال شأفتها.. أقول: إنّ من شأنِ كل هذا أن يُلحقَ الضرر (فساداً) مستطيراً يطالُ فجورُه/ وغيّه الجميعَ دون استثناء. عن مطرف قال: قلنا للزبير: يا أبا عبدالله، ما جاء بكم؟ ضيعتم الخليفة الذي قتل، ثم جئتم تطلبون بدمه؟ فقال الزبير - رضي الله عنه -: إنا قرأنا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر وعثمان - رضي الله عنهم -: (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) لم نكن نحسب أنا أهلها حتى وقعت منا حيث وقعت. ولئن لم تكن: «الفتنة» بصورتها الأكثر أذى/ ورُعباً هي: «الحرب الأهلية» وما كان في معناها؛ فإنّ جماع الفتن التي يتوجس من إثارتها خيفةً وإنْ تساهلنا بشأنِها - بادي الأمر- هي بالضرورة لا تعدو أن تكون تلك المقدمات التي تدفع باتجاه تقويض مجتمعِ: «السلم» والتحريض على إحالته عن سبق إصرارٍ/ وسفه إلى: «شبه مجتمعٍ» هزيلٍ في مرافقه ومتوحشٍ في إدارة شؤونه وعدوانيٍّ في علاقاته.. وما من شيءٍ فيه سيعلو على صوت التجييش بـ: «الاحتراب» والتهييج بسطوة لغة: «الانتقام» الذي يأذن هو الآخرُ للبغي أن يضربَ أطنابه زلزلةً بأرضٍ تُخرج كلّ أثقالها من العدوان بأبشع صور الطغيان التي عرفها التاريخ، وحينها سيستحيل أن تستقيم لنا: «حياةٌ» أو أن يهنأ لنا بال أو أن نرجو لنا مستقبلاً آمناً، إذ لا عدلٌ يُرتجى ولا إقساطٌ يُبتغى، وإنما هو: «الظلم» الذي لن يبرح أرضنا من غير أن يبسطَ بكل عنوانات سطوته جغرافيّتنا كلّها.. وإذا ما أسهمنا جراء سماحنا لـ:»الفتن» في أن تتجر في نسيج تكويننا اجتماعياً فتصبح سلوكاً أحياناً وفي أحيانٍ أخرى تكون تكسباً يُقتات منه!!؛ فإنّ ذات: «الظلم» الذي يلتحف عباءات «الفتن» لا يفتأ أن يُكرّس باطلَ انفراط عقد «الحقوق» والذي بانفراطه شيئاً فشيئاً لن تبقى لـ:»الإنسان» ها هنا أيّ قيمةٍ يمكنها أن تحفظ عليه كرامته الآدميّة، وحسبك أنّ: «القتل» حينذاك سيكون هو الصفة التي لا تنفك ارتباطاً عن تلك المرحلة المخضّبة بدماءٍ ستراق بسببٍ من: «المذهب» أو من: «الطائفة» أو من: «الهويّة» أو من: «القبيلة» أو من: «المناطقية» فلا القاتل إذ ذاك يدري لِمَ قَتَل - على جهة الحقيقة - ولا المقتول يعلم لأي سببٍ كان قتلُه!.
إنّ نبذ العنف والرفض الجاد لاستخدام القوة في إدارة أي صراع داخليٍّ هو وحده الذي تتأكد من خلاله: «قيمة الإنسان» ومآلات هذا تظل رهن اشتراط: «السلم المجتمعي» ومنحه قُدسيّةً تُسأل عن حمايتها الدولة الحديثة بما تسنّه من قوانين تُجرم هتك قدسية: «السلم المجتمعي/ والأهلي».
في السّلم اتقاءٌ للفتنة
خالد السيف4 دقائق للقراءة

حجم الخط
