منذ ثلاثين عاماً كان أبناء حارتنا يجتمعون في ثلاث أو أربع سيارات للذهاب إلى مطار الملك عبدالعزيز بجدة لا بقصد السفر أو توديع أحد الأحبة ولكن رغبة في التنزه وممارسة لعبة كرة القدم في الحديقة الدائرية الواقعة أمام بوابة المطار، لقد كانت تلك الحديقة مقصداً لكثير من شباب مدينة جدة في ذلك الوقت نظراً لكونها مفروشة بالعشب الأخضر فأصبحت مكاناً مفضلاً لممارسة كرة القدم والاجتماع بالأصدقاء وزملاء الدراسة.
كان منظر المطار مدهشاً ومغرياً لنا ونحن نشاهد أسراب الطائرات وهي تهبط وتغادر في انسيابية مذهلة، وكان أكثر ما يلفت انتباهنا هو علامات البشر والفرح التي كانت ترسمها وجوه القادمين إلى جدة وخاصة في مواسم الحج والعمرة. 
وتسارع الزمان ودارت عجلة التنمية وكبرت الأحلام وتفرق الأصحاب وغادرنا جدة، لم أبتعد كثيراً عن مدينة جدة فقد كنت أتردد عليها بين فترة وأخرى، وكنت في كل مرة ألحظ تغيرات تنموية ضخمة وتسارعا عمرانيا كبيرا ما عدا مطار جدة! فعلى ما يبدو أنه كان صامداً أمام عوامل التغيير، ولم يكن هناك سوى تغيرات هامشية طفيفة لاتكاد تذكر! وأول هذه التغيرات هو وضع شبك شائك على أطراف حديقة الدوار وزراعتها بالأشجار الشوكية لمنع المتنزهين من دخولها بعد أن كثرت حوادث السيارات حولها.
كانت حقائب المسافرين متكدسة أمام بوابات المطار فيما المسافرون متجمهرون حول كاونترات الحجز، ورغم التوسعة الكبيرة التي أُضيفت إلى صالات المطار إلا أن الزحام الذي يراه المسافر في تلك الصالات يعطي انطباعا بأن المطار بات عاجزاً عن استقبال رواده من المسافرين والقادمين.
أما العربات التي تنقل المسافرين من وإلى الطائرات فهي على ما يبدو قد أصبحت علامة وماركة مسجلة باسم مطار جدة وما عليك أيها المسافر إلا الاستعداد لجولة مجانية داخل المطار عبر هذه العربات إما قاعدا وهذا نادر الحدوث، وإما قائما وهذا هو الاحتمال الأكبر.
وإن قُدر لك أن تصل إلى مواقف السيارات قبل أن يتلقفك الكدادة فإنك ستشاهد نفس المنظر الذي كنت تشاهده منذ ثلاثين عاما وكأنك تستعيد شريط حياتك وتستلهم الكثير من ذكرياتك! ولن يخرجك من حالة السرحان هذه إلا رائحة الكربون المركزة داخل تلك المواقف والتي يبدو أنها فاقت المعدل العالمي في التلوث.
لقد كان المركز الثاني من حيث المطارات الأسوأ في العالم هو من نصيب مطار جدة، وإني لعلى يقين بأن هذا لن يرضي المسؤولين في هيئة الطيران المدني ولن يرضينا نحن محبي هذا الوطن ومحبي جدة ومطارها، وكلنا أمل بأن القادم سيكون أجمل وأفضل بإذن الله.