الحادث الإرهابي المروع في الأحساء فتح الباب على مصراعيه للحديث عن (الطائفية)، فللمرة الأولى يصل خطرها إلينا، وغالبا لا يستوعب الناس خطر شيء حتى يرونه ماثلا أمامهم، فلقد ظل الحديث عن (الطائفية) وخطرها حديثًّا نخبويًّا، يكتب عنه المثقفون في مقالاتهم، ويتردد في خطاباتهم في اللقاءات الإعلامية، فجاء ذلك الحادث الإرهابي فنقل الحديث عن (الطائفية) إلى المستويات الشعبية كافة، فقد طفا على السطح في الأيام الماضية خطاب وطني جامع يتحدث عن خطر الطائفية على النسيج الاجتماعي، وخطورة العبث بالسلم الأهلي، فكأننا كنا بحاجة - للأسف - لسيلان دماء أولئك الضحايا الأبرياء لِـنَعِـي خطورة سرطان (الطائفية)، والخشية الآن أن يكون هذا الخطاب الوطني الجامع المناهض للطائفية خطابًا موقتًا أملته بشاعة الحادث، ثم ما يلبث أن يضمحل مع الأيام، ولتفادي هذه النتيجة المتوقعة يتطلب الأمر تحويل هذا الزخم الشعبي ضد الطائفية إلى فعل وطني مقنن ضد مظاهر الطائفية حفظا للسلم الأهلي وحماية للنسيج الوطني، ولكن ثَـمَّةَ لَـبْس في مفهوم (الوطنية) قد يعوق مثل هذا التقنين؛ فثمة تَـوَجُّهان في واقعنا الفكري المحلي تجاه مفهوم (الطائفية)؛ فجمهرة واسعة من المتدينين يرون مصطلح (الطائفية) مصطلحا مخادعا يُـراد به تذويبُ الفوارق بين المذاهب الدينية، وترويجُ للمخالفات العقدية المخالفة لمذهبهم، وجمهرة أخرى من المثقفين الليبراليين يرون أن أي نقد موجَّه لمذهب من المذاهب الدينية هو من (الطائفية) التي تُـهدد السلم الأهلي، وأصبح الأمر مثار نزاع وتنابز بين الفريقين، والإشكال الذي وقع فيه الفريقان أنهم خلطوا بين (الطائفية)، و(النقد المعرفي لفكر المذاهب الدينية)؛ فـ(الطائفية) هي فعل سلطوي يعبر عنه المنتمي للطائفة برفضه وجود طائفة أخرى في المشهد الديني أو الفكري أو السياسي، ويرفض المواطنة التي يتساوى فيها المواطنون في الحقوق والواجبات بغض النظر عن أديانهم وأعراقهم وطوائفهم، وهذا الفكر الطائفي ما زال من نسيج الثقافة الشعبية في مجتمعاتنا العربية، وهو حجر الزاوية في الثقافة السياسية الدينية التقليدية لكل طوائفنا الدينية، وقد ورثناه من ثقافة القرون الماضية؛ حيث كانت الدولة تستمد مشروعيتها من حمايتها للمذهب الديني الذي يدين به حكامها، وهذا - بالضرورة - سيجعل المخالفين لـ(مذهب الدولة) في خانة الخصوم للدولة، ومتى ما تغير مذهبُ السلطة فسيتبعه تغيرُ المعادلة، وليس هذا خاصًا بتاريخنا، فهذا المنطق كان يحكم العالم كله آنذاك، وقد اكتوت منه أوروبا في حروب طائفية امتدت لمئات السنين حتى تواضعت شعوبها على تحويل الدولة إلى دولة مواطنة حامية للتعددية، لكن منطقتنا العربية ما زالت (خارج التاريخ). وأما (النقد المعرفي لفكر الطوائف) فهو عمل فكري معرفي لا يمكن منعه لأمرين؛ الأمر الأول: أن الحكم الديني على بعض أفكار طائفة أخرى بأنها باطل أو غير صواب هو عمل من بنْيَة الدين نفسه؛ إذ الدين - بما هو دين - يقوم على ثنائية الحق والباطل، ومن هنا فكل مذهب ديني ينتمي للدين يطرح نفسه على أنه يمثل الحق، وأن المخالفين من المذاهب الأخرى على باطل فيما يخالفونه فيه، والمطالبة بوقف الانتقاد المعرفي المتبادل بين المذاهب الدينية هو مطالبة بإقرار النسبية في مفهوم الحق والباطل في أصول الدين، وتقرير الصوابية في كل الآراء الدينية المتعارضة، وهذا هو مذهب الـمُصَـوِّبة؛ أي هو زيادة الانقسام الديني بتأسيس مذهب ديني جديد، والأمر الثاني: أن المطالبة بوقف النقد المعرفي بين المذاهب هو مصادرة لحرية البحث والنقد الفكري الذي هو من صميم العمل الفكري، وعليه فإن (النقد المعرفي لفكر الطوائف) ليس من الطائفية، لكن الإشكال في واقعنا العربي أن (النقد المعرفي) لم يظل نقدًا معرفيًّا خالصًا، وذلك لأمرين: الأمر الأول: لغة الهجاء التي يصاغ بها النقد بتلقيب الطوائف الأخرى بألقاب (الرافضة)، و(الصفويين)، و(المجوس)، و(المعطلة)، و(التكفيريين)، و(النواصب)، و(الوهابية)، و(المعطلة)، وما يصحب النقد من تحريض على ظلم الطائفة الأخرى، أو التضييق عليها، أو منعها من التعبير عن نفسها، والأمر الثاني: اتساع الجمهور الموجَّه له الكلام؛ إذ تخصصت قنوات إعلامية ومواقع انترنت بنقد الطائفة المغايرة للقناة أو الموقع الانترنتي، وهذا ساهم في الدفع بعامة الناس للانخراط في ممارسة النقد تجاه الطوائف الأخرى، وتحول النقد المعرفي من عمل معرفي يقوم به متخصصون بأسلوب علمي مهذب إلى صراعات كلامية يقوم بها الكل ضد الكل فيما يشبه حفلات الزار الصاخبة؛ ولسان حال الجميع: لا صوت يعلو على صوت طائفتنا.
الطائفية.. والنقد المعرفي لفكر الطوائف
سليمان الضحيان4 دقائق للقراءة

حجم الخط
