المتابع لمجمل القرارات الحكومية التي تصدر بين الحين والآخر، سيجد أن عددا ليس بقليل منها يصدر إما تكليفا لتجاوز معوق بيروقراطي، كالاستعانة بشركة النفط أرامكو لتنفيذ مشروعات حكومية، أو استثناء لعلاج خلل ما، كاستحداث الوزارات لوظائف موقتة تحت بند الأجور أو التشغيل الذاتي.

هذا الأمر يقودني إلى التساؤل، هل الخلل والترهل الإداري في القطاعات الحكومية بلغ من السوء بحيث أصبح عصيا على الإصلاح، فتلجأ الحكومة إلى الحلول الجانبية والاستثناءات لضمان سير العمل؟ وهل السير في هذا الاتجاه مأمون بدرجة كافية، حتى لو حدثت هزات اقتصادية ليست في الحسبان؟
كمراقب أرى أن الحلول الاستثنائية أصبحت الحل السحري الذي يبحث عنه المسؤول الحكومي اليوم لتجاوز مشكلاته، وتحول اهتمامه من إصلاح الخلل في إدارته وعلاجه إلى تجاهله ونسيانه، كما حصل مع مؤسسة التدريب التقني والمهني عندما فشلت كلياتها في تزويد السوق بما يحتاجه من كوادر فنية مؤهلة، قررت الاستعانة بمزودي خدمة عالميين تحت بند «التشغيل الذاتي» للقيام بذلك، وليتحول دورها إلى الإشراف والتنظيم فقط. وليس بعيدا عنها قرار استثناء مشروع النقل العام بمكة المكرمة من شرط الإعلان والمنافسة العامة، وحصرها في شركات تدعى وتؤهل لذلك.
شخصيا أرى أن إعادة هيكلة أنظمة وزارة الخدمة المدنية أفضل من تجاوزها بالتشغيل الذاتي، ومنح الأجهزة الرقابية صلاحيات لمحاسبة الوزارات المتعثرة مشاريعها أولى من إشغال أرامكو بذلك، ومراجعة نظام المناقصات الحكومية وإعادة تصنيف الشركات المؤهلة لتنفيذ مشاريع الدولة أجدى من منح الاستثناءات لكيانات خارجية سرعان ما ستذوب تحت عباءة الشركات الكبيرة، وما سحب منها باليمنى ستسترده باليسرى.
الأكيد أن القوانين التي تنظم عمل القطاعات الحكومية عمرها الآن أكثر من عقدين من الزمن، وبالتالي أصبحت بحاجة إلى التعديل والإصلاح وفق متطلبات المرحلة، وهذا الأمر لا يتأتى إلا بإقرار المقام السامي لنظام آخر جديد أو عمل الجهات التشريعية على إصلاح أعطاب النظام الحالي، وأعني هنا علاجها وليس ترميمها.
وفي ظني أن مجلس الشورى بأعضائه ولجانه المختلفة، لو أنه بادر بتخصيص شيء من وقته لمراجعة وتدقيق هذه الأنظمة، وحدد أوجه القصور فيها، وقدم لصاحب القرار الحلول والأساليب الكفيلة بإصلاحها، لكان خيرا له من ملاحقة قضايا أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها هامشية.
لعل بصيص الضوء في الصورة القاتمة اليوم يكمن في بدء تطبيق الحكومة لموازنتها وفقا لـ«نظام إحصاءات مالية الحكومة 2001» الذي يعتمد على «تصنيف الميزانية اقتصاديا ووظيفيا بغية تحقيق الشفافية والمساءلة والتحقق من كفاية الأجهزة الحكومية وفعاليتها في استخدام الاعتمادات المخصصة لها وتحقيق أفضل مردود لكل نفقة»، ليبقى السؤال، هل هذا العنوان العريض كاف لعلاج خلل مؤسساتنا، أم أننا سنحتاج مستقبلا للاستثناءات والتكليفات؟

 

[email protected]

alnowaisir@