يقول الشاعر الأمريكي إسحاق كينغ، في أحد أنجح وأروع نصوصه: (نحن محاصرون بالموت!)، ولعل نجاح هذا النص لإسحاق معلل ومبرر للحضور الطاغي للموت في الثقافة البشرية بأشكال وصور عديدة. والمتتبع لأي شكل من أشكال الأخبار هذه الأيام سيصعق من تمركزها بشكل جوهري حول الموت؛ سواء كان ذلك بالحروب العسكرية المنظمة، أو الميليشيات المتطرفة، أو أخبار بيع وتصنيع الأسلحة وتداولها، بل وحتى نظريات الحروب البيولوجية والأوبئة وانتشارها المرعب في كل بقعة من بقاع الأرض.

في خضم هذا الكره البشري للحياة والتنافس الحاد على إبادتها كما يبدو؛ تأتينا أوريغون بريتني مينارد ذات الـ 29 عاما بشيء مختلف تماما؛ حيث تخطط بريتني للاستيقاظ صباح اليوم الأول من نوفمبر لتتناول إفطارها بشكل معتاد مع زوجها وبقية أفراد عائلتها الصغيرة، ثم تستلقي على سريرها لتأخذ جرعة من عقاقير طبية معدة خصيصا كي تغادر هذه الحياة بهدوء، وإلى الأبد! 
تقول بريتني إن ما دفعها لهذه الخطوة هو تشخيصها بورم في الدماغ، مما سيقضي عليها تدريجيا خلال ستة أشهر أو أقل، وسيؤثر بشكل كبير جدا على قدرتها على القيام بالأعمال الطبيعية كالسير والحديث وغيرها. تتحدث بريتني عن شغفها بالحياة، عن استمتاعها بقهوة الصباح كل يوم، عن كل التفاصيل الصغيرة، لكنها قررت المغادرة قبل أن ينال منها المرض وقبل أن تفقد الإحساس بالحياة كما عرفتها.
قصة بريتني أعادت الجدل في الإعلام الغربي حول حق المريض بقطع تذكرة العبور بالطريقة التي يراها والوقت الذي يختاره، بل إن بريتني بذاتها قضت أيامها الأخيرة تعمل من أجل دعم هذه القضية وتسجيل مقاطع فيديو، وتأسيس منظمة خاصة لدعم (الانتحار بمساعدة طبية).
وعلى الرغم من كل ما يحتمله الكلام أعلاه من سوداوية، إلا أن الأيام الأخيرة حملت منعطفات عدة في قضية بريتني؛ حيث خرجت في تسجيل جديد تتحدث عن عدم رغبتها في المضي قُدما في خطتها للانتحار بمساعدة طبية، وأنها تعتقد أن الوقت لم يحن بعد.
هذا المنعطف يتماشى تماما مع الطبيعة البشرية في نبذ الموت، في الإقدام على الحياة، وفي عيشها بكل ما قد يشوبها من منغصات.
وبعيدا عن قضية بريتني، والتشوهات البشرية في صناعة الموت، أستغل هذه المساحة لتقديم التحية لكل صناع الحياة في العالم، للساعين خلف الفطرة البشرية، لمحققي غاية الله تعالى في عمارة الأرض وملئها بالحياة. (ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا).