يتساءل العقل الجلاد للذات عن أسباب تردي الحال في الدول العربية طوال العقود الماضية، ووصولها إلى حال من الضعف والتشتت والحيرة في عصرنا هذا، مما ينذر بتشرذم كثير من الدول العربية، وانقساماتها، بل وربما زوالها بالكامل.

ولا توجد دولة محصنة، وإن وجدت فالمستغرب أن الدول المحيطة بها تسعى جاهدة لزعزعة استقرارها، وتدميرها.
والعالم الأجنبي شرقيه وغربيه عرف أسباب تخلفنا، وتمكن بذكائه أو خبثه من استغلالها بكل الوسائل، فامتص خيرات بلداننا، وعطل عقولنا، وساعد على تكوين جماعات إرهابية بيننا ترعب شعوبنا وحكوماتنا، لنظل دومًا محتاجين للدعم والمساعدة، وأقنعنا بما نريد أن نعتقده من أننا دول مؤثرة متحضرة نمتلك المستقبل!. 
لقد عرفوا بحاجتنا الدائمة لهم في كل شأن، وفي كل أزمة، ومع كل منعرج، حتى ولو كانوا هم من أنتجه، وساعدوا على بقائه وتفاقمه، فيظل العرب بغباء يدفعون، ويتحزبون، ويخونون، ويتقاتلون فيما بينهم، لمجرد إرضاء أوهامهم بالبقاء والوصول إلى أهداف يتخيلون أنها هي المؤدية لعزتهم وكرامتهم وعلوهم على كل الأمم.
ولنعد لأسباب حدوث ذلك في تاريخ الوعي العربي، إن حق لنا أن نقول إن لدينا وعيا، فنجدها تتركز في الآتي:
1. المعتقد: حيث إن تعدد المعتقدات والمذاهب يجعل العربي في حيرة من أمره، فهو يظن أنه الأفضل بدينه أو مذهبه أو طريقته، وأنه يحق له أن يهمش، ويحتقر، أهل المعتقدات والمذاهب الأخرى، وأن من حقه قتل وذبح كل من يخالفه، حتى ممن يشاطره المواطنة في الدولة ذاتها، بل ويضيق ذلك لمستوى الأسرة، والتي ينقسم الأشقاء فيها إلى عوالم متناحرة، لا تلبث أن تتقاسم طرديًا، ليصبح واقعنا غوغائية متأصلة.
2. الفساد: الذي يصبغ حياة العرب، ويعيدهم لا شعوريا للغزو والسلب، والسبي والخيانة مهما بلغ تدينهم أو ثقافتهم، فتجدهم في تناقض يجعل ظاهرهم مختلفا كلية عما يقومون بدسه بينهم في الخفاء، وعلى معظم المستويات الدينية، والسياسية، والمجتمعية، فتفاجأ دومًا بالتناقضات المريعة القاتلة عند اكتشافها.
3. حب السلطة: والذي يجعل الأغلبية يبحثون عن الصدر في المناصب، التي يتذللون للوصول إليها، حتى ولو بذلوا أرواح أتباعهم المغرر بهم ثمنًا لها.
4. الرجعية: بعدم القدرة على التعامل مع الحاضر بواقعية ودون رجوع مريض للماضي، فيظلون يحكمون على كل منعرج جديد بقوالب قديمة غير قابلة للتطوير والتبديل.
5. طغيان الجنس: على جميع أفكارهم، فلا يكاد يخلو جزء من حياتهم من التفكير في المرأة، وكيف، ولماذا، وأين، ومتى وكأن الله خلقها لتكون نكبة مؤرقة دائمة تسير على الأرض.
6. التعليم: الذي يستبدلون فيه العلم الحديث بالمرويات القديمة، مما ثبت أنهم أنفسهم لا يتفقون عليها، فيعارضون، ويتقاتلون لإثبات الفكرة مهما شذت.
التخلف العربي ليس عرضًا مرضيًا ويزول، وهو يرتدي كل يوم ثياب التجدد، وكم سيكون معجزًا أن نهجره كليًا.