دقت السعودية ناقوس الخطر بشأن أمنها المائي أمام الاستنزاف الزائد للمياه سواء في استهلاكها للشرب أو للزراعة أو الصناعة، رغم شح مواردها الطبيعية، ومحاولات توفير المياه عبر تحلية مياه البحر العالية التكلفة أمام سعر الفاتورة المنخفض للمواطن، فضلا عن الهدر المائي الكبير والذي يقدر بـ 30% من إنتاج تحلية المياه سنويا، ومن أحد أسبابه تسريبات المياه التي تقدر خسائرها بنحو 6 مليارات ريال سنويا.
وأعلنت السعودية وفقا لتقرير رسمي اطلعت عليه “مكة”، أنها رفعت الراية الحمراء لخطورة استنزاف النفط في تحلية المياه والطاقة الكهربائية والذي يقدر بـ 17% من إنتاجها، وقد يصل الاستهلاك في حال استمر الوضع على ما هو عليه إلى ثلثي إنتاجها والذي يقدر بنحو 8 ملايين برميل يوميا من إنتاجها.

الوضع المائي الحالي

يضع تقرير وزارة المياه والكهرباء أربعة تطورات متوقعة للوضع المائي في السعودية، وهي:

  • 1 سوف تنضب الطبقات الرئيسة الحاملة للمياه المستخدمة للأغراض الزراعية واحدة تلو الأخرى، كما ستصبح العمليات الزراعية المصاحبة دون إنتاج.
  • 2 بحلول 2040 سوف يكون هناك احتياج يزيد على 8 ملايين برميل من النفط الخام يوميا لعمليات تحلية المياه، أي ثلثي إنتاج النفط الحالي.
  • 3 سوف تقفز التكلفة المالية لإمداد المياه للاستخدامات البلدية 10% من إجمالي الميزانية، أي 3% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2040.
  • 4 سوف يكون الأمن المائي في السعودية في خطر، إذ سيجف عدد من الطبقات الحاملة للمياه مما يجعل الاعتماد على تحلية المياه بصورة أعلى.

2.36 تريليون متر مكعب مخزون عام 2010

أوضحت وزارة المياه والكهرباء أن الاحتياطات المقدرة من المياه الجوفية المخزنة داخل الطبقات الحاملة للمياه في الرف العربي تصل إلى 2.36 تريليون متر مكعب، وذلك في عام 2010، بينما يقدر احتياطي المياه الجوفية الأحفوري القابلة للاستغلال فعليا بـ1.18 تريليون متر مكعب، مشيرة إلى أنه نصف المورد النظري، مما يعتبر احتياطيا كبيرا، فإذا ما تم ضخ كامل المخزون بمعدلات السحب الحالية والبالغة 12 مليار متر مكعب فإن المخزون سوف يستنزف برمته في 100 عام فقط.

استنزاف 12 مليار متر مكعب سنويا

تستنزف السعودية في الوقت الراهن مواردها غير المتجددة من المياه، نحو 12 مليار متر مكعب سنويا، وإذا لم يتغير الحال فمن المرجح أن يزداد معدل الاستنزاف ليصل إلى 13 مليار متر مكعب أو أكثر بحلول 2040 ، مما يؤدي إلى نضوب هذا المورد النفيس بالكامل خلال قرن من الزمان
واعتبر التقرير أن السعودية تمتلك موارد محدودة للمياه المتجددة، إلا أنها منحت قدرا وافرا جدا من احتياطات المياه الجوفية غير المتجددة، رغم أنه كانت هناك تخفيضات في استخدام المياه في الأغراض الزراعية خلال السنوات الماضية، مشيرا إلى أن المواطنين حاليا يستخدمون أكثر من ثلاثة أضعاف كمية المياه التي يزودون بها، وحذر من أن احتياطات المياه الجوفية القابلة للاستغلال سوف تنضب خلال مدة لا تتجاوز قرنا من الآن، وهو ما سيحدث على نحو أسرع من ذلك حول بعض المراكز المأهولة بالسكان والمراكز التجارية بما فيها العاصمة الرياض.

قلة الفائدة من استخدام المياه الحالي

علمت “مكة” أن معظم استخدامات المياه الحالية لا تحقق أي فائدة للمواطنين، حيث إن المزارع الذي يزرع البرسيم في مساحة 50 هكتارا بنظام الري المحوري سوف يجني دخلا يبلغ في كل عام 150 ألف ريال، بينما سوف تكلف هذه العملية الدولة 1.3 مليون ريال إعانة للديزل، إذ إن المياه التي يستهلكها نظام ري محوري واحد يمكن أن تمد بلدة يقطنها 40 ألف نسمة كل عام كامل، وتلك المياه يمكن أن تعوض مياها محلاة تكلف 10 ملايين ريال لإنتاجها وتوصيلها.

طاقة التحلية 1.5 مليون برميل يوميا

ويشير التقرير إلى أن عمليات المياه وتوليد الطاقة تستهلك حوالي 1.5 مليون برميل من النفط الخام، أي ما يعادل 17% من إنتاج السعودية من النفط، متوقعا ازدياد هذه الحصة سريعا
وزاد تصدير المؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة خلال العام الماضي للماء بنسبة 5.4%، فبلغت كمية المياه المحلاة المصدرة 1006.6 ملايين متر مكعب، منها 495.3 مليون متر مكعب من محطات الساحل الشرقي بنسبة 49.2% من إجمالي تصدير المؤسسة، وتم ضخ هذه الكميات إلى العاصمة الرياض وعدد من مدن ومحافظات المنطقة الشرقية ومحافظات ومراكز سدير والقصيم. وتم تصدير 511.3 مليون متر مكعب من محطات الساحل الغربي بنسبة 50.8% وتم ضخ هذه الكميات إلى مكة المكرمة والمشاعر المقدسة والمدينة المنورة وعدد من المناطق والمدن والمحافظات في الساحل الغربي.
وبدأ منتصف هذا العام التشغيل الجزئي لمحطة رأس الخير ومرافقها، والتي تعد حاليا أكبر محطة تحلية في العالم بسعة إنتاج 1.025 مليون متر مكعب ماء يوميا، ليصبح إجمالي عدد محطات المؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة العاملة 28 محطة تنتج 4.6 ملايين متر مكعب يوميا.

فاتورة المياه منخفضة أمام التكلفة

اعتبرت وزارة المياه والكهرباء أن المستهلكين يتمتعون بخدمات مياه رخيصة جدا ولكنها بنوعية دون المستوى الأمثل، فمتوسط الفاتورة الشهرية لا يتجاوز 3 ريالات، إلا أن الخدمة تقدم بشكل متقطع وتكلف الدولة تكلفة اقتصادية ومالية مرتفعة، مشيرة إلى أن معظم المياه من تحلية المياه المالحة، إذ تتصدر السعودية دول العالم في تحلية مياه البحر، حيث تتطلب تحلية المياه المالحة الكثير من تكاليف الطاقة والنقل والتكاليف البيئية.
وقالت الوزارة إن السعودية تستخدم اليوم حوالي 1.5 مليون برميل من النفط الخام يوميا، أي حوالي17% من الإنتاج المحلي في تحلية المياه المالحة وتوليد الكهرباء، في حين تمثل مصادر المياه الجوفية تلث تكلفة المياه المالحة، أضف إلى ذلك أن جزءا كبيرا من المياه الحالية يهدر في تسربات من شبكات إمداد المياه في السعودية، وتصل نسبة الفقدان حوالي 30% ، وهو ما يعادل أكثر من إنتاج السعودية من تحلية المياه المحلاة، أي حوالي 0.6% كيلو متر مكعب من المياه الصالحة للشرب تفقد نتيجة لتسربات شبكات إمدادات المياه، وبافتراض أن هناك 10 ريالات تكلفة لكل متر مكعب واحد من المياه المحلاة الموصلة إلى مكان استهلاكها فإن هذا يساوي أكثر من 6 مليارات ريال سنويا نتيجة التسربات.

إصلاحات تسربات المياه وفرت 2.6 مليار ريال

حققت شركة المياه الوطنية وفرا مائيا تجاوز 433 مليون متر مكعب في المدن المستهدفة بالتخصيص، الرياض، وجدة، ومكة المكرمة، والطائف جراء إصلاح التسربات في شبكة المياه وذلك منذ عام 2009م وحتى نهاية شهر سبتمبر من العام الحالي 2014م، بقيمة وفر مالي تجاوز مليارين وستمئة مليون ريال.
وأوضحت الشركة أن تحقيقها لتلك النتائج في نهاية أكتوبر من عام 2014م، جاء بعد تطبيقها لأفضل التقنيات العالمية من أساليب وأجهزة رصد حديثة لكشف التسربات غير الظاهرة، ومنها استخدام أشعة الرادار والأجهزة السمعية واستخدام غاز الهليوم لرصد التسربات في الشبكة لأول مرة في الشرق الأوسط للكشف على شبكات المياه، مع الاعتماد على سرعة الإجراءات لاكتشاف وإصلاح حالات التسرب ومعالجتها.
وأضافت الشركة أن حجم الوفر المائي المتحقق في مدينة الرياض خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2014م بلغ أكثر من 38 مليون متر مكعب وبقيمة وفر مالي تتجاوز 228 مليون ريال ليصبح حجم الوفر المتحقق بمدينة الرياض منذ عام 2009م وحتى نهاية سبتمبر 2014م أكثر من 278 مليون متر مكعب من خلال معالجة 228 ألف حالة تسرب وبقيمة وفر مالي تتجاوز 1.6 مليار ريال، فيما تجاوزت كمية الوفر في مدينة جدة خلال نفس الفترة ما يزيد عن 12 مليون متر مكعب بقيمة وفر مالي تتجاوز 72 مليون ريال، ليصبح إجمالي الوفر المتحقق بمدينة جدة منذ عام 2009م وحتى نهاية سبتمبر 2014م أكثر من 61 مليون متر مكعب، بقيمة وفر مالي تتجاوز 366 مليون ريال، حيث بلغ عدد حالات التسرب التي تمت معالجتها 81 ألف حالة تسرب.

5486 كيلو مترا لإيصال المياه للمستفيدين

والمملكة ذات مساحة جغرافية كبيرة مترامية الأطراف ذات تضاريس تختلف من منطقة إلى أخرى، ورغم ذلك استطاعت المؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة من خلال مشاريعها الضخمة إيصال المياه المحلاة إلى عدد من المناطق والمدن والمحافظات الساحلية والداخلية وفي أعالي الجبال عبر شبكة ضخمة من أنظمة نقل المياه من محطات التحلية إلى الجهات المستفيدة، بلغ عددها 20 نظاما بطول إجمالي يبلغ 5.486 كيلو مترا، يتراوح قطر الأنابيب، ما بين 8 – 80 بوصة، ويتم ضخ المياه عبر 47 محطة ضخ و16 محطة خلط إلى خزانات المؤسسة البالغ عددها 230 خزانا سعتها الاستعابية 11.6 مليون متر مكعب.

عدم كفاية مياه البلدية

وفي تقرير رسمي عمل عليه “البنك الدولي” ووزارة المياه والكهرباء” اطلعت عليه “مكة”، فإن خدمات المياه البلدية تغطي جزءا فقط من السكان وإمدادها متقطع وبتكاليف عالية، وإن الخسائر المادية الناجمة عن أنظمة الإمداد تكلف الدولة ما يعادل 6 مليارات ريال سنويا، معتبرا التعرفة البلدية منخفضة جدا، أي بمتوسط فاتورة شهرية يبلغ 3 ريالات فقط، وبهذه الأسعار يكون الطلب على المياه غير محدود، وتكافح المرافق لتلبية أحجام الخدمات العالية والمعايير. وقد بلغت التكلفة المالية 3% من إجمالي نفقات الميزانية.

الاقتراب من المستوى العالمي للتوزيع

وتعمل السعودية بحسب الوزارة على وضع هدف هو تحقيق مستوى يقترب من المستوى العالمي وهو تغطية 95% من السعودية بخدمات المياه والصحة العامة، إلا أنه وفقا للاتجاهات الحالية فإن ذلك يمكن أن يتحقق فنيا في الفترة من 2030 إلى 2040، مبينة أنه بسبب انخفاض التعرفة “أي انخفاض أسعار الخدمات” فإن الطلب سيستمر في تجاوز الإمدادات ليصل بالمعدلات إلى 300 لتر للشخص يوميا وربما أكثر من ذلك، واضعا بذلك ضغوطا على إمدادات المياه وعلى الميزانية. وإذ بقي الحال على ما هو عليه فستصل قيمة صافي التكاليف الموازنة للسعودية 54 مليار ريال سنويا بحلول عام 2030 ، وهو ما يعادل 10% من الموازنة الوطنية و3% من الناتج المحلي الإجمالي.

مشاريع لمواجهة الطلب المتوقع

ولمواجهة الطلب المتوقع على المياه تنفذ المؤسسة حاليا عددا من المشاريع في عدد من المناطق وينتظر منها الإسهام الفاعل في زيادة كميات المياه المحلاة والطاقة الكهربائية المنتجة وفق أعلى المواصفات والمعايير الفنية والتقنية، منها محطة تحلية ينبع المرحلة الثالثة ومرافقها بطاقة قدرها 550 ألف متر مكعب من المياه يوميا، و2500 ميجاوات من الكهرباء. وسيطرح في الفترة القادمة مشروع محطة جدة المرحلة الرابعة بالتناضح العكسي بطاقة 400.000 متر مكعب يوميا، ومشروع محطة رابغ المرحلة الثالثة بالتناضح العكسي بطاقة 600.000 متر مكعب يوميا، ومشروع محطة الجبيل المرحلة الثالثة بطاقة 1.500.000 متر مكعب من المياه يوميا و3.000 ميجاوات من الكهرباء، ومشروع محطة الوجه 4 ومحطة ضبا 4 ومحطة حقل 3 بطاقة إنتاجية قدرها 9.000 متر مكعب يوميا لكل منها.
ويجري العمل الآن على استكمال تنفيذ مشروع نظام نقل مياه رأس الخير - الرياض بطول إجمالي يتجاوز 900 كيلومتر وقطر يتراوح ما بين 48- 72 بوصة، لتغذية الرياض والمجمعة وشقراء والزلفي وثادق والغاط، وأيضا مشروع نظام نقل مياه رأس الخير – حفر الباطن بطول 384 كيلومترا وقطر 44 بوصة، بالإضافة إلى مشروع نظام نقل مياه الطائف – الباحة بطول 221 كيلومترا وقطر 40 – 72 بوصة، ومشروع نظام نقل مياه ينبع – المدينة المنورة المرحلة الثالثة بطول 604 كيلومترات وقطر 12 – 76 بوصة، ومشروع نظام نقل المياه من محطة الليث إلى القرى المستفيدة الغالة، والوسقة، والغميقة بطول 97 كيلومترا وقطر 8 بوصات.

83 % من المياه الجوفية تضخ للزراعة

تعتمد الزراعة بالكامل تقريبا وفقا لمعلومات في وزارة المياه والكهرباء” اطلعت عليها “مكة”، على ضخ موارد المياه الأحفورية غير المتجددة، حيث خفض استنزاف المياه المستخدمة للأغراض الزراعية في الآونة الأخيرة، إلا أن هناك 83% من المياه المستخدمة للأغراض الزراعية تلبى بضخ المياه الجوفية، مما يجعل معدل عدم الاستدامة ناتجا من هبوط مستوى المياه الجوفية.
وذكرت “المياه والكهرباء” أن آثار الاستنزاف تهدد مستقبل القطاع الزراعي في عدد من المواقع، مع العلم أن استخدام المياه للأغراض الزراعية ينتج فوائض ضئيلة للمواطنين، فقد استخدم ثلثا المياه التي ضخت في 2010 من قبل المواطنين من مياه غير متجددة(8 مليارات متر مكعب من إجمالي 12 مليار متر مكعب)، لإنتاج محاصيل ذات قيمة منخفضة لا تحقق إلا قدرا يسيرا من الفائدة الاجتماعية.
ورغم المحاولات المتكررة للسعودية لاستعادة السيطرة على المياه الجوفية لتخصيصها للاستخدامات ذات القيمة الأعلى، وهو ما كان له بعض الأثر وفقا للوزارة، عملت في الشبكة المعقدة في الإعانات والدعم والحظر والتي أدت إلى تخفيض استنزاف المياه الجوفية إلى حد ما، مبينة انخفاض استخدام المياه للأغراض الزراعية من أعلى قيمة له وهي 23 مليار متر مكعب ليصل إلى 14 مليار متر مكعب الآن، إلا أن المزارعين قد تحولوا من زراعة القمح إلى زراعة البرسيم، متوقعا مع مرور الوقت أن يصبح فقط 5 مليارات متر مكعب إذا استخدمت المياه بكفاءة في إنتاج محاصيل تمتاز فيها السعودية بميزة تنافسية.

الصناعة تستهلك 3 مليارات متر مكعب في 2030

وفي التقرير الذي أعده “البنك الدولي” بالتعاون مع “المياه والكهرباء”، أكد أن النمو السريع للمدن الصناعية في السعودية، وكذلك المدن المستقبلية يتطلب زيادة إمدادات المياه، مبينا أن هيئة المدن الصناعية ومناطق التقنية “مدن” تخطط لتطوير 40 مدينة صناعية في السعودية بحلول 2020، حيث يقدر حجم الطلب على المياه لهذه المدن ما بين 700 إلى 900 مليون متر مكعب، وسيصل إجمالي الطلب للمياه للأغراض الصناعية في السعودية حوالي 2 إلى 3 مليارات متر مكعب في عام 2030، وأنه من المهم جدا للسعودية أن تخطط لتنمية المدن الصناعية المستقبلية مع إمكانية الحصول على مياه بأسعار معقولة، وأن تخطط لإعادة استخدام مياه الصرف الصحي بكفاءة.