من المفاهيم يسيرة الاستيعاب، عسيرة التحقيق هو مفهوم التسامح الذي يحاول جاهداً إيجاد موقع على خارطة الإنسانية ليضفي سلاماً على هذا العالم المتناحر.
والتسامح كغيره من المفاهيم تعرّض من قِبل كثير من الأيديولوجيات إلى عمليات شدّ وجذب حتى وصل إلى اعتباره أحد المسائل الجوهرية التي تشكل الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية للشعوب.
ومكة إذ تستضيف مؤتمر «الإسلام ومحاربة الإرهاب»، بقيادة أمير المنطقة خالد الفيصل، نيابة عن الملك سلمان بن عبدالعزيز، نجدها مسؤولية تقع على عاتقنا جميعاً، بضرورة الإسهام ولو بكلمة في إشاعة المبادئ التي تحدّ من الإرهاب.
جاء التسامح كمنهج إسلامي أصيل يسمو بالبشر مبنىً ومعنى، للحث على الأخلاق الفاضلة وعمل على ترسيخها قبل عهود التنوير الأوروبية.
فقد جاء في قوله تعالى: «فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ» (الحجر:85).
ثم رسم مفهوم التسامح طريقاً للمؤمنين: «وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا» (الفرقان:63).
ثم ما ورد من آيات تهتم بلغة الحوار على اعتبار أنّه بداية المعرفة التي حينما تُستخدم فيها الألفاظ وتُوظّف فيها المعاني تخلق علاقة تُجنّب التنافس البغيض والنزوع نحو العنف.
وقد تجلى مفهوم التسامح في التاريخ الغربي، في القرن السادس عشر الميلادي وارتبط بالمسألة الدينية حيث إنّ النخب الغربية تجاوزت مرحلة الحروب الدينية بترسيخ مفهوم التسامح.
كما نجده واضحاً في المنظومة الفلسفية حيث اعتبر الفيلسوف جون لوك «أنّ التسامح هو الحل العقلاني لظاهرة الصراعات والحروب الدينية التي سادت بين أبناء الطوائف المسيحية في المجتمع الغربي آنذاك».
أما الفيلسوف الفرنسي فولتير فقد قال كلمته المشهورة التي صارت حكمة تُتوج بها النصوص حين يراد الحديث عن الإعلاء من شأن الحرية والتسامح وقبول الآخر على مبدأ الاختلاف ونبذ إقصاء الآخر وتهميشه والاعتراف بحق الآخر: «إنني لا أوافق على ما تقول، ولكنني سأدافع حتى الموت عن حقك في أن تقوله».
وللمفارقة فإنّه بقدر ما يتجلى المفهوم في الثقافة الغربية فهو يغيب بشكل واضح عن التطبيق في المجتمعات العربية والإسلامية حيث توجد المفردة في النصوص الإسلامية ولكن دون تنفيذ لها أو امتثال بها على أرض الواقع.
وهذا ما ساهم في أنّ المفهوم لم يأخذ حقه من الطرح والممارسة على هذا الصعيد لأنّه اختلطت به ممارسات تمجّد العصبية والطائفية وعدم الاعتراف بالآخر، وهو وتر ما زالت تعزف عليه التيارات السياسية والدينية على حد سواء لتنفيذ أجندتها بالتفريق بين هذه المجموعات لتسود ولو إلى حين.
ورغم أنّ الأصل في الأديان أنّها تدعو إلى التسامح والغفران إلّا أنّ المتشددين قاموا بلي عنق النصوص بالتحريف في حالة المسيحية مثلاً أو بخطأ التفسير لآيات القرآن خاصة تلك التي أنزلت في ظروف معينة أوضحها المفسرون، وذلك حتى توافق ميلهم واتخاذهم العنف منهجاً دون السلم فيكونوا بذلك ناقضين للمبدأ الذي يقوم على أساسه الدين.
وهذا ما يفسر مقابلة التسامح للعنف المرتكب باسم الدين كما تنفذه الجماعات الإرهابية في عملياتها الوحشية من تصفيات بالنحر والذبح والحرق.
ولا يختلف هؤلاء عن أولئك الذين يطرحون فكراً متشدّداً ومتطرفاً.
وهؤلاء بالرغم من أنّهم يكفّون موقتاً عن إيذاء غيرهم جسدياً ويعملون في ساحة الحرب الفكرية والنفسية، فإنّهم مثل من يحملون قنابل موقوتة في جماجمهم، ينشرون سمومها على غيرهم ممن يؤمنون بها ويطبقونها بأكثر من أصحاب هذا الفكر المتطرف أنفسهم، إلى أن تحين فرصة تفجيرها.
لم تبرأ المجتمعات الإنسانية عموماً من حالات الصراع المتولدة من تحجّر الفكر، فتمثّلت ابتداءً في عدم القبول بالآخر المختلف ثم تطور الأمر إلى محاربته، بحجة أنّ هذا المختلف على خطأ وهم على صواب.
فلمحاربة الإرهاب لا بد من إشاعة فكر بديل يُبنى على ثقافة التسامح والقبول بالآخر ليحلّ النور محل الإظلام في العقول المتصلّبة التي لا ترى صواباً إلّا فيما تفعله حتى ولو كان يناقض الدين الحق.