على مدى ثلاثة أيام كان شلال الشعر يتدفق منهمرا في منطقة الباحة، لم يكن البهو فقط يضج ويعج بالشعراء والغاوين والمؤلفة قلوبهم، بل كانت مرتفعات المنطقة تستدرج الغيم وتراود المطر عن نفسها، وسط ضباب شفيف يخترق الأرواح والأفئدة، ويموسق الحناجر بغناءٍ يتشظّى بين الشعر والسحر والعطر.
فعندما تقام مثل هذه الملتقيات في مدن تحمل سمات القرية كالباحة أو أبها مثلا، يتمازج كرم أهلها مع رسمية الاحتفاء، فيغلب الأول على الآخر، ليشعر القادم من ريف المغرب أو صعيد مصر أنه ليس غريبا أو ضيفا طارئا، لأن الكل هناك سيحاول أن يعزمك في منزله أو مزرعته بـ (الطلاق) و(التحريم)، والإيمان المغلظة النابتة من شغافٍ تألف الناس وتتماهى مع الحواس.
إنه نبل القرى الذي لم تستطع أبنية الاسمنت أن تغتاله أو شوارع الاسفلت أن تبتلعه، إنه الشعور النابض في هذه الأمكنة الحافلة بالجمال والسكينة والغبطة، لذا لا نملك إلا أن نقول: ملتقى الباحة الشعري شكرا غزيرا وفيرا..ويكفي.

