الحرب تسبب الفساد.منذ هجمات 11 سبتمبر الإرهابية، تخوض الولايات المتحدة حربا بلا نهاية على الإرهاب، وهي تبحث عن الأعداء في كل مكان ولا تعد بالسلام مطلقاً.
في كتاب “ادفع أي ثمن”، يكشف جيمس رايسن مجموعة غير عادية من التكاليف الخفية لتلك الحرب: من أموال مسروقة، إلى إساءة استغلال السلطة، إلى حروب على الحياة العادية والاستقامة والحقيقة.
باسم مكافحة الإرهاب، قامت الحكومة الأمريكية بأفعال مشينة مثل الإساءات التي ارتكبتها خلال الحرب وأخفتها عن الناس.
روزفلت صادق على اعتقال آلاف الأمريكيين من أصل ياباني خلال الحرب.
والآن على الرئيسين جورج بوش وباراك أوباما أن يواجها حسابهما أيضاً.
القوة تسبب الفساد، لكن الحرب التي بلا نهاية تفسد بشكل مطلق.
في هذا الكتاب، يقوم جيمس رايسن، الحاصل على جائزة بوليتزر كصحفي تحقيقي لجريدة نيويورك تايمز، برسم الجوانب السيئة العديدة للحرب على الإرهاب خلال الـ 13 سنة الماضية.
يبين رايسن النتائج بعيدة المدى لردة الفعل المرتبكة وغير المسؤولة لكبار المسؤولين الأمريكيين على هجمات 11 سبتمبر وخسارة مليارات الدولارات من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين.
يأخذنا الكتاب عميقا إلى عالم قاتم يتدافع فيه المحتالون واللصوص إلى الوكالات الحكومية، يقدمون برامج الكترونية وأدوات وهمية أخرى لاستخدامها في الحرب على الإرهاب.
إدارة بوش كانت تلقي بالمال يمينا ويسارا دون حساب في قضية الإرهاب، وكان الكثيرون مستعدين للحصول على نصيب من ذلك المال.
أكبر سرقة
الكاتب يبدأ في متابعة مبلغ ملياري دولار من الولايات المتحدة إلى بغداد، حيث تمت سرقتها هناك وانتهى جزء كبير منها في غرفة محصنة تحت الأرض في لبنان، وهي ما يصفها رايسن بأنها إحدى أكبر عمليات السرقة في التاريخ الحديث.
قصة هذه السرقة يرويها رايسن في فصل بعنوان “التحقيق في المال النقدي العراقي الذي انتهى في غرفة محصنة في لبنان”.
يقول رايسن إنه بعد سقوط نظام صدام حسين على يد القوات الأمريكية في 2003، بدأت شاحنات محملة بحزم مضغوطة من الأوراق النقدية من فئة المئة دولار تصل إلى قاعدة أندروز الجوية خارج واشنطن.
هذه الأموال تم سحبها من حسابات الحكومة العراقية في الولايات المتحدة وشحنت إلى تلك القاعدة لإرسالها على طائرات خاصة إلى بغداد لدعم حكومة العراق الجديدة.
خلال عامين ونصف العام، تم إرسال ما بين 12 مليار دولار و14 مليارا إلى العراق بنفس الطريقة، في حين تم تحويل 5 مليارات دولار عن طريق التحويل البنكي.
لكن جزءاً لا بأس به من تلك الأموال كان غامضا، فكلف الرئيس بوش في 2004 صديقه ستيوارت بوين للتحقيق في مصير الأموال الضائعة.
غرفة محصنة
تحقيقات السيد بوين بينت أن جزءا كبيرا من المال استخدمته الحكومة العراقية بالفعل، إلا أن مبلغا يتراوح بين 1.2 مليار و1.6 مليار من تلك الأموال تم نقلها إلى غرفة محصنة في لبنان بطريقة غامضة.
تحقيقات السيد بوين استمرت عدة أعوام اكتشف خلالها أن مليارات الدولارات سُرقت بنفس الطريقة، الأمر الذي جعله يشعر بالإحباط، خاصة أن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA والمباحث الفيدرالية FBI لم تتدخل في عهد الرئيس بوش، ومن بعده الرئيس أوباما، لحسم الأمر.
وكالات الاستخبارات الأمريكية بررت عدم تدخلها بأن الأموال هي عراقية وسرقها عراقيون، لذلك لا شأن للحكومة الأمريكية بالأمر! حتى الحكومة العراقية، كما يقول رايسن، لم تحاول استعادة الأموال المسروقة، بل ولم تكشف أي معلومات تتعلق بالغرفة المحصنة التي نقل إليها المال النقدي في لبنان.
وفي النهاية تم إغلاق مكتب المحقق العام في الأمر، وانتقل السيد بوين للعمل في القطاع الخاص.
من هو رايسن؟
• جيمس رايسن: مستشار في شؤون الأمن القومي في مؤسسة أمريكا الجديدة (New America Foundation) وله خمسة كتب عن الجيش الأمريكي. عمل مراسلا لكل من صحيفة واشنطن بوست ووول ستريت جورنال لفترة 26 سنة تقريبا.
- الكتاب: ادفع أي ثمن: الجشع، السلطة، وحرب لا تنتهيPAY ANY PRICE: Greed, Power, and Endless War
- الكاتب: جيمس رايسن James Risen
- الناشر: هوتون مافلين هاركورت، 2014
مقامر ينال عقودا بملايين الدولارات
في هذا العالم الرمادي القاتم يتكاثر المحتالون.دنيس مونتجمري، وهو مقامر من الوزن الثقيل في كازينوهات رينو، نيفادا، كان أحدهم.
دنيس ادعى أنه طور تقنية يستطيع من خلالها أن يفك شيفرة الرسائل السرية المخزنة في أشرطة الفيديو التي كان يسجلها أسامة بن لادن وتبثها قناة الجزيرة القطرية.
وعلى أساس هذا الادعاء، فاز دنيس بعقود مع الحكومة الأمريكية بلغت قيمتها ملايين الدولارات.
ويقول رايسن إنه في أواخر ديسمبر 2003، أقنع دنيس إدارة بوش بالتفكير جديا في إسقاط طائرات مدنية.
وبعد أن اكتشف محققو الحكومة الفرنسية خداع دنيس مونتجمري، تخلت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية عن خدماته بصمت.
لكن دنيس مونتجمري لم يتوقف عند ذلك، بل انتقل إلى قيادة العمليات الخاصة في الولايات المتحدة، والتي دفعت لشركته 9.6 ملايين دولار مقابل تكنولوجيا يفترض أنها قادرة على التعرف على وجوه الإرهابيين الذين تلتقطهم عدسات الكاميرات في الطائرات بدون طيار.
شركة مونتجمري انهارت في النهاية بعد أن تراكمت عليها ديون هائلة ورفعت ضدها الكثير من القضايا القانونية.
يغوص الكاتب أيضا في التكلفة البشرية التي خلفتها الحرب على الإرهاب، ويصور العذاب الذي يعيش فيه داميان كورسيتي بعد تقاعده من الحياة العسكرية لأنه كان يشارك في تعذيب السجناء في معتقل أبو غريب قرب العاصمة العراقية بغداد.
ويبين الكاتب أنه كان على الجيش الأمريكي أن يعرف قبل أن يذهب إلى العراق أن هناك ضحيتين للتعذيب: الضحية الأولى هو الشخص الذي يتلقى التعذيب، والضحية الثانية هو الشخص الذي يقوم بتعذيبه.
الجندي السابق كورسيتي استطاع أن يتخلص من الإدمان على الهيروين، إلا أنه يدخن الماريجوانا بكثافة ويعاني من اضطرابات عصبية ونفسية كثيرة
..وتجاوزات للدستور بالجملة
أفضل جزء في الكتاب هو ربما الجزء الأخير، وهو الذي يتناول التجاوزات على الدستور الأمريكي التي ارتكبتها وكالة الأمن الوطني الأمريكية.
في هذا الجزء، يتميز أسلوب الكاتب بوضوح أكبر وأدلته أكثر دقة ولهجته أكثر ثقة.
قصة دايان رورك، التي كانت عضوا في اللجنة الأمنية في الكونجرس، تمثل إلى حد كبير فترة ما بعد هجمات 11 سبتمبر التي تراجعت فيها الشفافية والمحاسبة في الحكومة بشكل كبير.
عندما لاحظت دايان روك أن وكالة الأمن الوطني تجمع معلومات وبيانات عن المواطنين الأمريكيين، حاولت أن تعرف أكثر عن هذه القضية ومن ثم تحذر الناس.
افترضت دايان أنها وضعت يدها على عملية احتيال وفساد.
طرحت دايان أسئلة حول العملية على أعضاء في الكونجرس، لكنها لم تتوصل إلى شيء.
بعد ذلك اتصلت بقاض فيدرالي كان يشرف على قضايا الاستخبارات، لكن القاضي، بدلا من أن يتعاون معها، رفع تقريرا عنها إلى وزارة العدل.
فتواصلت مع مسؤولين من وكالة الاستخبارات المركزية CIA ومن البيت الأبيض.
في النهاية عرفت دايان أن كل هؤلاء الأشخاص لديهم معرفة مسبقة ببرنامج وكالة الأمن القومي، وأنهم عمليا صادقوا على هذا البرنامج.
قدمت دايان استقالتها من عملها في الكونجرس وانتقلت إلى أوريجون.
وفي صباح أحد أيام شهر يوليو، 2007، استيقظت دايان لتجد عملاء تابعين لمكتب التحقيقات الفيدرالي FBI وهم يحملون إذنا بالتفتيش يسمح لهم بتفتيش منزلها بحثا عن أدلة بأنها سربت بيانات حول وكالة الأمن الوطني إلى الصحافة الأمريكية.
ويقول الكاتب جيمس رايسن إن جميع الذين عبروا عن قلقهم إزاء انتهاكات مجلس الأمن الوطني للدستور الأمريكي واجهوا معاملة قاسية مماثلة، وهو أحد الأسباب التي دفعت إدوارد سنودن إلى الهرب خارج الولايات المتحدة عندما سرب وثائق حول مراقبة وكالات الاستخبارات الأمريكية للمواطنين الأمريكيين بطريقة مخالفة للدستور.
من ناحية ثانية، يؤكد الكاتب بوضوح أن ضباط الجيش الأمريكي يطمحون على الأرجح إلى الاستفادة من خبراتهم ومعلوماتهم بعد انتهاء خدمتهم في الجيش لتحقيق مكاسب مادية أفضل بعد التقاعد.
ويقول جيمس رايسن إن “كل جنرال في الجيش كان يأمل في كسب المال من خلال العمل لصالح متعاقد رئيسي في شؤون الدفاع بعد تقاعده من العمل العسكري”.
الرسالة الرئيسية التي يوجهها جيمس رايسن من خلال هذا الكتاب تبدو واضحة.
ويقول إن خبيرا في الإرهاب قال له “لقد قمنا بتخويف أنفسنا (الأمريكيين) بشكل كبير”.
تلك النتيجة تناسب لتكون عنوانا للعقد الأول من القرن الحادي والعشرين.
يقدم رايسن أدلة واضحة على أن الولايات المتحدة خسرت الكثير بسبب الطريقة التي اتبعتها في الحرب على الإرهاب، ويدعو الكونجرس والشعب الأمريكي ليكونوا أكثر وعيا ويوجهوا المزيد من الأسئلة حول التكاليف السياسية والمالية والأخلاقية والثقافية لهذه الحملة.

