من أشد التناقضات أن تتردد عبارات حب الوطن على الألسنة، ثم تكون الممارسة اليومية مختلفة، إذ لا نجد أحيانا أثرا لذلك الكلام حين نرى عدم المبالاة وعدم التقيد بالأنظمة وعدم الاهتمام بالمكتسبات المادية للوطن.
وبقدر الإيمان بأهمية العمل ومكانته ونتائجه وفهم فلسفة ذلك ومن ثم تجسيد هذه الثقافة تتقدم الشعوب وترقى الأمم، ولم تحجز الدول المتقدمة مقاعدها في الصف الأمامي إلا بالعمل والإخلاص حيث تكرست لديهم مفاهيم العمل والإنتاج على النحو الذي جعل قيمة الإنسان بقدر ما يقدمه لنفسه ووطنه من عمل وإنتاج.
إن علينا أن نفيد من تجربة العالم المتقدم وأن نستفيد من تاريخه في بناء الحضارة وصنع التنمية، وديننا قبل ذلك يحث على العمل الصادق ويدعو إلى الإتقان والإخلاص فيه؛ إيمانًا بالنتيجة الإيجابية والمردود الكبير الذي يتجسد من خلاله، وهو -أيضًا- يوجهنا إلى أهمية الاستفادة من الآخرين، وباختلاف الميادين وتعدد المجالات وتضافر الجهود بين مختلف الجهات سنستطيع أن نبني حضارة إنسانية عظيمة ونثبت للعالم قدرتنا على العطاء والإبداع في شتى الفروع والعمل في مختلف المجالات.
«ثقافة العمل» أهم مفهوم ينبغي لنا أن نراجعه، وعلينا أن نرسخ لمفهوم وإطار أوسع يكون فيه العمل عشقًا وواجبًا دينيًّا ووطنيًّا وإنسانيًّا، ولنبدأ بأنفسنا وبالنشء من حولنا حتى يتم ترسيخ هذه الثقافة على النحو المرجو، ومن هنا وفي ضوء المعطيات المتاحة والإمكانات المادية الهائلة التي يتمتع بها وطننا -ولله الحمد- ويسخرها في سبيل خدمة أبنائه ورقيهم علميًّا وحضاريًّا فإن الفرصة ستكون متاحة لنا لبناء حضارة عصرية قائمة على وعي وأسس قوية ومتينة.
إن الطبيب حينما يخلص في عمله وينطلق من أن مهنته رسالة إنسانية نبيلة وليس مجرد وظيفة، والإعلامي حين يتجاوز مصلحته الخاصة وينظر إلى مصلحة وطنه فيكرس جهوده لتحقيق الرسالة الإعلامية الصادقة، وطالب العلم والباحث عندما يستشعران الواجب الديني والوطني في طلبهما للعلم، والمعلم حينما يؤمن بأنه إذ يخلص في مهنته إنما يبني عقل الإنسان، الذي هو رصيد الوطن ومفتاح الحضارة، والمبدع والمثقف عندما يحرصان على ترسيخ المفاهيم الصحيحة والمبادئ السليمة، والمبتعث عندما ينقل صورة مشرفة عن وطنه ويحرص على أن يكون أنموذجًا إيجابيًّا، كل هؤلاء وغيرهم من العاملين في مختلف الحقول حينما ينطلقون من هذا المنطلق الحضاري، فإنما يدوِّنون في تاريخ الوطن أصدق عبارات الحب وأجمل معاني الانتماء.
المواطَنة.. الوعي والتنظير والممارسة
مفلح زابن القحطاني2 دقائق للقراءة

حجم الخط
