60 % من العنف في العالم يقع في الدول الإسلامية بما يشوه الصورة
دعوة لمؤتمر دولي تتبناه السعودية حول التشويه المتبادل بين المسلمين والغرب (2-3)
أشرف الحسيني - مكة المكرمة
على مائدة ندوة "مكة" التي حل ضيفا عليها الباحث والمحلل الفرنسي سليمان زغيدور، يتواصل النقاش حول قضية التشويه المتبادل بين المسلمين والعالم الغربي، ليفجر المشاركون عشرات التساؤلات حول دور الاستشراق السلبي في ترسيخ صور مشوهة للإسلام والمسلمين في الإعلام الغربي، وكذلك تلك التصورات التي نسجها بعض المسلمين عن الغرب على خلفية عهود الاستعمار لتظل صورة الغرب والغربيين مشوهة أيضا في الإعلام العربي والإسلامي.
ومن ثنايا النقاش الذي أداره رئيس التحرير الدكتور عثمان الصيني بزغت فكرة تنظيم مؤتمر دولي ترعاه السعودية في إطار مبادرة واهتمام خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز بقضايا الحوار الحضاري والتعايش بين الثقافات لدراسة أبعاد تلك الصور المشوهة للطرفين عن الآخر.
ولفت زغيدور إلى أن جزءا مهما من أسباب تشويه صورة الإسلام والمسلمين أحداث العنف التي تشهدها بلدان العالم الإسلامي، وقال إن نحو 60% من أحداث العنف في العالم تقع في نطاق العالم الإسلامي وينقلها الإعلام الغربي إلى الناس هناك، مما يرسخ في أذهانهم تلك الصورة المشوهة.
وبدا أن هناك إجماعا بين الضيف والحضور من الباحثين والأكاديميين على ضرورة عمل دراسات علمية حول نسب وتوجهات التشويه والعنصرية، سواء في الغرب ضد الإسلام والعرب أو العكس، حتى يمكن رصد الظاهرة في حجمها الحقيقي، ودراسة أبعادها وأسبابها على أسس علمية، بدلا من إطلاق الاتهامات والتعميمات دون حقائق علمية موثقة تدلل أو تبرهن على ما نصل إليه من استنتاجات.
لا يجب إطلاق التعميمات بالمعاداة والكراهية دون دراسة
- «لقد ذكر الباحث زغيدور في مجمل حديثه أنه ليس هناك كتلة إعلامية في الغرب تعادي المسلمين، ولكن هناك إجماعا في العالم العربي والإسلامي على معاداة الغرب. وأنا أؤكد أنه لا يجب أن نرمي الكلام جزافا، لأننا كأكاديميين نشدد على أنه يجب أن يكون هناك بحث علمي يرتكز على الأصول العلمية في البحث لكي أعرف كم تمثل هذه الكتلة في الغرب وفي الشرق، وأنا عندما كنت أعيش في الغرب عمد إلي أن يكون لدي رصد إعلامي لما يقال عن الإسلام والمسلمين، وكان لدينا شهريا ملف إعلامي في إسبانيا وفرنسا، وموجود في رابطة العالم الإسلامي. ومن الأمور التي أقمت عليها دعوة قضائية في فرنسا ضد إحدى الصحف، هي لصورة مسيئة ظهرت للرسول صلى الله عليه وسلم، وكسبنا القضية حينها. وفي أمريكا وجدت مجلة بها رسم كاريكاتوري لمسجد مكتوب عليه «ممنوع.. للكلاب والمرأة»، لذلك يجب أن يؤخذ الموضوع بصورة علمية».
الدكتور عبدالعزيز سرحان - أكاديمي وباحث
لا توجد صبغة موحدة للكراهية
- «على الرغم من عنصرية البعض في أوروبا وبعض دول الغرب تجاه الإسلام، فليس هناك خطاب إعلامي أو سياسي موحد ضد الإسلام،و أنا لم أنكر وجود مثل هذ الأشياء، وإنما قلت في معرض حديثي إن هناك تيارات عنصرية حاقدة على الإسلام ولكنها ليست بشكل منظم عمدا بصبغة موحدة.
- وأنت تحدثت معي وكأنني تجاهلت هذه الأمور، وطمست كل خطاب حاقد على الإسلام في الغرب، وقدمت صورة صافية، وبالعكس أنا قلت ليس هناك صبغة وخطاب موحد ضد الإسلام».
زغيدور
لعبة سياسية وراء إظهار الإسلام بصورة مشوهة
- «لدي مقترحان الأول: هو أننا نقر أن هناك صورة مشوهة للإسلام والمسلمين، وربما هناك لعبة سياسية لإظهار الإسلام في هذه الصورة على الرغم من أن الإسلام بريء منها، فما دور الباحث سليمان هو وزملاؤه كمثقفين يمتلكون الناحية العلمية واللغوية والقدرة الفاعلة، ولديهم الجهد في توضيح الصورة النقية السليمة للإسلام؟
- والمقترح الثاني: نحن نعرف أيضا أن الإسلام دخل إلى إندونيسيا وشرق آسيا منذ القدم، ودون قتال، فما سلوك المسلمين في هذه الدول، وهذا أمر مهم، فالإسلام صالح لكل زمان ومكان، وهو ليس عدائيا ولا انتقائيا ولا دين عنف ولا يظلم أحدا، فلا يوجد أيسر ولا أوضح منه، ومع ذلك البعض تصلهم صورة غير صحيحة عن الإسلام».
حامد السلمي - مدير تعليم مكة سابقا
من يدعون تمثيل الإسلام في فرنسا هم من يشوهونه
- «أكبر مشكلة هي التي يعانيها الفرد الذي يريد أن يحسن أو يوضح صورة الإسلام. المشكلة ليست في العنصريين غير المسلمين، ولكن المشكلة في المسلمين أنفسهم، وكمثال في فرنسا، فنحن ننظر للأحداث السياسية في الشرق الأوسط فنرى داعش، وبعدها نرى مسلمين يحرقون كنيسة في القاهرة، وبعدها نرى مسلمين يذبحون بعضهم البعض في ليبيا، ونرى آخرين في العراق يلقون القنابل، وفي الباكستان واليمن والصومال والجزائر، وأنت تكون مواطنا أوروبيا عاديا وتتابع هذه الأمور، فيوميا تشاهد أحداث عنف تحصل في العالم الإسلامي. وللعلم أن 60% من العنف السياسي في الكرة الأرضية يرتكز بين مصر والعراق في الشرق الأوسط. وأنا لا أقصد أن هناك علاقة عضوية بين الإسلام والعنف، وأنا ولدت في عائلة مسلمة أثناء حرب الجزائر، ولم أسمع أحدا من عائلتي، أو أقاربي يقول كلمة واحدة ضد الفرنسيين، أو المسيحيين كبشر، وهذا يدل على أننا لم نترب في مجتمع حقد أو بغض أو تحريض على العنف.
- أما عن سلوكيات المسلمين في فرنسا، ففي رأيي أن المسؤولين عن تشويه صورة المسلمين هم من يدعون أنهم يمثلون المسلمين في فرنسا. وبالنسبة لنا كصحفيين هؤلاء يضروننا، لأن الصحفيين يسألونهم باستمرار باعتبارهم ممثلين للجالية الإسلامية، كما أن الأغلبية من المسلمين يعملون في مجالات مهمة كوزراء وسفراء وأطباء ورجال شرطة، بمعنى أن من 90 – 95 % منهم يعملون في أماكن حيوية ومهمة».
سليمان زغيدور
أمر مقلق أن يكون 15 % من الغربيين حاقدين على الإسلام
- «اتفقنا أنه ليست هناك كتلة واحدة ضد الإسلام في الغرب، والنسبة التي ذكرها الباحث عن وجود نحو 15% من بين الأحزاب الغربية ضد المسلمين عنصرية وحاقدة تعتبر مقلقة، وهذه النسب قد تكون متفاوتة من دولة لأخرى، وفي مقابل من يشوهون هناك نماذج مشرقة كثيرة الإعلام لم يسلط عليها الضوء للمسلمين في الغرب، ونحن اختلفنا في نسبة هذه الكتلة، ففي العالم كله لا توجد كتلة واحدة في أي مجال، فما هي الأسباب التي تجعل نظرتنا نحن هنا أن هذه الكتلة كبيرة ومسيطرة؟ كما أريد أن أسأل عن أسباب تمركز العلماء في قازان كما ذكر الأستاذ سليمان».
الدكتور نبيل كوشك - وكيل جامعة أم القرى
كم صحيفة قرأها العرب حتى يخرجوا بانطباع أن الغرب معاد لهم
- «فيما يخص الكتلة المعادية وحجمها، أنا عندما أسأل أصدقائي العرب والمسلمين بهذا الشأن، ومن أين أتوا بهذا الانطباع؟ يقولون لي إن الإعلام الغربي حاقد على الإسلام، فأطلب منهم أمثلة كم جريدة غربية يومية يقرؤون، حتى يستنتجوا هذا الانطباع؟ فاليوم إن قرأنا أية صحيفة أوروبية فلن نجد مقالا يسب المسلمين بشكل سيء، لأن الناس لديهم غيرة وأخلاق كصحفيين وليس لأنهم غير مسلمين، هذا يعني أن ليس لديهم أخلاق ولا ضمير ولا سلوك، فالناس محترمون، والأقلية التي تكذب أبناء الغرب أنفسهم يحتقرونها، ويجب أن نأخذ في عين الاعتبار أن المقالات التي تعطي صورة سيئة عن المسلمين فهي للأسف بالصحف التي لديها تقارير عن الأوضاع في العالم الإسلامي، وهي أوضاع مؤلمة.
- وفيما يخص قازان، هي كانت عاصمة إمبراطورية إسلامية تتبع التتار، اسمها القبيلة الذهبية، وللأسف نحن العرب بقينا أسرى فكرة قالها ابن تيمية عن التتار، ونراهم في صورة بشعة، مع أن ابن تيمية عندما تحدث عنهم لم يكونوا وقتها مسلمين، ولكنهم هم دخلوا في الإسلام، وكونوا إمبراطورية اسمها القبيلة الذهبية، وكانت قازان عاصمتهم الثقافية والأكاديمية والفلسفية، وهى
- بها الآن أعرق الجامعات في هندسة الطيران وعلوم الفضاء، والتتار في قازان ظلموا في البداية، ولكن عندما جاءت الإمبراطورة كاترين الثانية اعترفت بالإسلام كدين مكون من مكونات الإمبراطورية الروسية، ويجب أن لا ننسى أن الإسلام في روسيا يعتبر من الأديان الوطنية، ولهذا فالجيش الروسي به أئمة للضباط والجنود المسلمين، فقازان تطورت عبر القرون، وكانت كل الأبواب مفتوحة أمام المسلمين التتار».
سليمان زغيدور
أحداث 11 سبتمبر أشعلت الحرب على الإسلام في الغرب
- «فيما يتعلق بصورة المسلمين والإسلام في الإعلام الغربي، أعتقد أنها تختلف قبل أحداث 11 سبتمبر2001، عنها بعدها، وأيضا من الواضح من حديث الباحث أن هناك اتجاها إعلاميا لا تنطلق منه مفاهيم قوية وقواعد راسخة ضد المسلمين، وإنما هو إعلام غوغائي ربما يحقق مصالح، أو أهدافا معينة. وهناك إعلام آخر ينطلق من منطلقات عقدية ضد الإسلام والمسلمين. وأرى أن الإعلام الغربي قبل أحداث 11 سبتمبر أخف مما هو عليه اليوم، حيث بات يقدم الإسلام بصورة سيئة.
- أريد الحديث عن نقطتين من واقع تجربة شخصية، فعندما كنت مبتعثا في بريطانيا عام 1975، طالبنا أن تحدد لنا الجامعة مكانا نصلي فيه، فخصصوا لنا مكانا نأخذ فيه حريتنا كاملة أثناء الصلوات، وكان يصلي معنا عدد كبير من الزملاء البريطانيين المسلمين، ثم عندما طلبنا إقامة مركز إسلامي طلب منا المجلس البلدي في المنطقة أن نحضر إحدى جلساته لمناقشة الموضوع، ولم يأخذ الموضوع أكثر من يومين حتى أخذنا التصريح وأنشأنا المركز بدعم من الحكومة السعودية، ثم بعد فترة وجيزة وضعنا خطة عمل لتغيير الصورة النمطية للمسلمين في المدارس الثانوية، وكتبنا إلى التعليم في المدينة وسمح لنا بالقيام بجولات مجدولة لنشرح الإسلام بكل أريحية وبدون حدوث أية متاعب.
- وفي زيارة لي إلى قيرغيزستان، سألنا بعض الوجهاء والمسؤولين في مدينة بشكيك عن وضع الإسلام والمسلمين، فجاءنا الجواب بكل مرارة أنهم دعوا الدول الإسلامية وقالوا: بمجرد أن خرجنا من محيط روسيا أردنا المساعدة من الدول الإسلامية لدعمنا بالدعاة والممولين لإقامة المساجد ونشر الإسلام بالصورة الصحيحة، إلا أن العالم الإسلامي بصفة عامة كان يتجاهلنا، وكانت أسرع الدول إلينا إيران وإسرائيل».
الدكتور فواز الدهاس - أستاذ التاريخ بجامعة أم القرى
صورة الغرب مشوهة في إعلامنا العربي والإسلامي
- «أستطيع القول إننا شبه متفقين على أن صورة الإسلام والمسلمين في الإعلام الغربي يشوبها شيء من التشويه والتشويش، والباحث كان منصفاً في هذا الشأن.
- هذه الصورة ة قد تتمثل في البعد الأيدولوجي والكتابات الاستشراقية التي كان لها أثر في الفكر الغربي العام، وكذلك الجهل بالإسلام وحقيقته، والنزاع السياسي وهو لا شك أنه مؤثر بشكل كبير، وما يسمى بصراع الحضارات، فالغلو والتطرف يؤدي إلى تشويه الصورة، وله أثر في الإعلام الغربي وحتى على الإعلام الإسلامي نفسه، ونحن نرى ردة الفعل الإعلامية حتى لدينا.
- وإذا أردنا أن نكون منصفين نقول إن لدينا أيضا صورة مشوهة للغرب في إعلامنا العربي والإسلامي، فالتعميم أحيانا يكون موجودا وهذا غير منصف، وبالتالي ألا ترون أن هذا الأمر يستحق أن يكون محور مؤتمر دولي تتبناه السعودية بخاصة في ظل اهتمام خادم الحرمين الشريفين بالحوار، والتقارب والتعايش، بالإضافة إلى أن هذه البلاد لديها من المؤسسات الدينية ما يمكن أن يقدم الإسلام بشكل معتدل بحيث يناقش المشكلات والحلول.
- ولدي العديد من التساؤلات، منها: هل تأثر الإعلام الغربي بالصورة النمطية الاستشراقية عن الإسلام والمسلمين، وهل نظرة الإعلام الغربي لمسلمي أوروبا ذاتها للمسلمين العرب؟، وما هو دور الإعلاميين الغربيين المسلمين في تصحيح الصورة النمطية للإسلام بالغرب؟، وهل الصورة السلبية للإسلام متأثرة بالاختلاف الديني؟ أم نتيجة الصراع التاريخي السياسي بين الطرفين؟، وما مدى تأثر الإعلام بسلوكيات الغلو والتطرف، وهل تأثرت الصورة النمطية بغياب الإعلام الإسلامي عن الساحة الغربية، وهل لدينا إعلام إسلامي كبير في الغرب يقدم الإسلام بصورته الجميلة ويعرض جمالياته؟، وما دور الإعلام الفرنسي في تصحيح الصورة النمطية، وهو يمثل دولة سباقة للتحرك والانفتاح الفكري والثقافي؟، وما أثر مبادرة خادم الحرمين الشريفين للتعايش والتقارب والحوار؟، وهل لها أثر إيجابي عند الإعلاميين والمفكرين، ورجال الدين الغربيين؟، وهل استغل ذلك في إبراز أن هناك فكرا معتدلا ومتطلعا لتصحيح الصورة النمطية وتقديم الإسلام بجمالياته؟».
الدكتور عبدالله الشنبري - أستاذ التاريخ بجامعة أم القرى

