مع رحيل خادم الحرمين الشريفين عبدالله، رحمه الله، وجدنا أنفسنا فوق هضبة عز ورخاء خضراء عالية، وعندما تولى خادم الحرمين سلمان المهمة الشاقة من بعده سارع باتخاذ إجراءات تنظيمية كثيرة، جعلت البعض يعتقد أن دولة قديمة قد طويت صحائفها، وأن دولة جديدة تُخلق من العدم!.
وهذا كلام مغلوط، فكلا العهدين يقعان في إطار واحد، وهما مكملان لبعضهما، والتغيير التكتيكي يحدث بغرض تجديد فكر الفاعلين، وشحذ عزائمهم، فلكل دولة زمان ورجال، وللتغيير فوائده الجمة، بدفع عجلة المسير في عمر الحكومة الجديدة، طالما أن ذلك يحدث وفق نظام الدولة الأساسي، وأن نتائجه المتوقعة تحمل المزيد من النماء وديمومة مسيرة بدأت منذ تأسيس الدولة السعودية على يد المرحوم الملك عبدالعزيز، بدستور ونظام وتوحد متناغم، ومن خلال تداول سلس للسلطة بين الملوك الراحلين والقادمين، متممين منظومة الحكم السعودي.
الخطوط الأساسية العريضة تبقى، وطريقة الحكم قد تختلف شكلا، ولكنها تحتفظ جوهرا بنفس الفحوى، ويزاد عليها حسب تطورات العصر، وحسب ما يتكشف في معارف البشر، فيكتمل البناء، ويزداد صلابة، والزيادة الحسنة في حينها مطلوبة، ولا يمكن في أي حال أن نتوقع هدما أو تراجعا أو انحرافا عن المسار الأساسي الأكبر، ولا أن يشذ السير عما رسم في السابق من تناغم حكومات سلف وخلف، كانت تحملنا معها للأفضل والأوضح والأعلى.
كل رفعة وعدالة ورخاء للمواطن حدثت مع أي من الملوك، لا يمكن أن يأتي من بعده من يزيلها، وإن لم يزد عليها فهو على الأقل سيتركها تجري في مجراها، الذي يروي نماء الدولة، والمواطن، والوطن.
وما عدا ذلك فكل ملك جديد لا بد أن له رؤية جديدة، يختار أن يطبقها، باعتبار أنها من متطلبات العصر.
أقول كلامي هذا بعد أن كثر نعيق غربان الشؤم المبرقشة في تغريداتهم السوداء، بتوقع الشر، والتقهقر، والرجعية، والتبشير بأن يكون نهج الملك سلمان مخالفا لنهج الملك عبدالله، فيتوعد البعض بعودة بعض الأمور للخلف، فيما يخص حرية الرأي، والعدالة، وحقوق الإنسان وحرمته وكرامته، وما حصل عليه الطفل والمرأة والمختلف من حقوق، وما أنتجه الحوار الوطني، وحوار الأديان، وغيرها، من الأعمال العظيمة الفذة.
وصدقوني أن الكتاب من عنوانه، فلا أظن حكومة الملك سلمان ستنكر حقا حصل وأثبتت جودته في الماضي، والنور يستدعي النور ويزيده، ولا يسمح للظلمة بالعودة.
الأنوار أصبحت تشع من القلوب، والعقول، وتطل من الأعين، ولا أظنها ستعود للانتفاء.
مكاسب كثيرة حصلت لنا في عهد (ملك الإنسانية) عبدالله، ولا أظن سلمان (عين الإنسان) سيهملها أو يعارضها، بل إننا كمواطنين نتوقع منه كشخصية وطنية متواضعة مطلعة على أحوال الشعب، أن يزيد مساحات الحرية والرقي والعدالة والمكتسبات الحقوقية، ويؤصل اللحمة والمساواة بين جميع فئات الشعب.
هذه هي ثقتنا بسلمان، مهما نعقت الغربان، ومهما تقهقر الغير لدروب الأحزان.