هي دعوة جادّة لأن نتخيّل أننا نعرف أسباب ودوافع كل ما يجري حولنا، وبما أن الدعوة في صحيفة رسمية فإنني أهيب بخيالاتكم الكريمة أن تتنبه وتلتزم الحذر، فطريق الخيال كغيره من الطرق محفوف بالرقيب، ولأنني صاحب الدعوة الموضح اسمي أعلى هذه الصورة التي تشبهني أحياناً، فإنني أعترفُ وأنا بكامل قواي العقلية (إن وجدت) بأني قد جربت الخيال قبل دعوتكم له، ووجدت أنه من باب (الميانة) العلمية والأدبية أن أنقل لكم ما يسمح به (السقف) من خيالات، لذا فإن أول نصيحة هي ألا تحلم خارج السقف، حفاظاً على سلامة أفكارك من ضربات الشمس، ومن بقية عوامل (التعرية)، وأتمنى أن تتسامح مع هذه النصيحة، ولا تنس أن من يقول لك (فكّر بحريّة) إنما يقصد فكّر في الطريقة التي أعتبرها أنا كناصح حرية، أما إذا فكرت بطريقتك فأنت لم تلتزم بالنصيحة!

وكي أزيدك عزيزي القارئ توجساً من مخاطرة تخيُّل أنك تعرف كل شيء، فإنني سأصارحك أن التجربة ليست ممتعة كما كنت أعتقد قبل الولوج في سموات تجربتها الرحبة، فمثلاً، تخيلت أنني أعرف عن (داعش) كل شيء، بداية من مركز الأبحاث الذي رسم نطفتها «القذرة» الأولى على الورق، وكيف صمم غلافها الخارجي ليكون بصبغةٍ دينية جذابة كي يستطيع المنظرون تمريرها على الشعوب التي تتعاطف مع الفكرة التي تُقدم بسياق ديني، ومروراً بالسنوات التي استغرقتها الفكرة منذ كانت فكرة مجنونة برأس مجنون مهووس بالقتل (تخيّلت أيضاً أنني أعرف اسمه وتاريخه السياسي وفوجئت بأن تخطر هذه الفكرة المجنونة على إنسان توحي ملامحة وكلماته بالرقّة والإنسانية)، ثم بعد ذلك تطوّع كثير من الأسرار وقليل من السُذّج للبحث عن تمويل للفكرة، حتى اكتملت الحبكة المليئة بالومضات العبقرية التي لم تخطر على بال الشيطان نفسه، حتى المرحلة الأخيرة، وهي المرحلة الأسهل، فبوجود (رأس المال/التمويل) و(الأيدي العاملة ) يكون المشروع قد اكتمل، واستخدام مصطلح (الأيدي العاملة) في هذا المجال أكثر دِقّة من استخدامه في المجال الاقتصادي أو الاجتماعي، ففي حالة داعش المطلوب (يد) فقط، أما (العقل) فيعني تقويض المشروع كاملاً!، وفي المرحلة النهائية (تخيلت) كيف فوجئ أصحاب المشروع بتطوّع كثير من أصحاب (الأيدي العاملة)، وتخيلت ابتسامة الإمام الغزالي رحمه الله وهو يردد مقولته الشهيرة (ليس من الضروري أن تكون عميلاً لكي تخدم عدوك، يكفيك أن تكون غبياً)، ولم يطب خاطر خيالي المجيد إلا بعد أن أصرّ علي كي أستأذن من الغزالي لأضيف على جملته شيئاً مما (توهمت) أنني أعرفه، لتكون المقولة بعد التعديل (ليس من الضروري أن تكون عميلاً لكي تخدم عدوك، يكفيك أن تكون غبياً، أو محللاً سياسياً)!
هل تخيّلت مثلي عزيزي القارئ كيف أن المعرفة بكل هذه التفاصيل ستقتل الكثير من الدهشات والأشياء التي كان سيناريوها أكثر جاذبية عندما كنت تجهلها، هل أدركت كم هي عبثية وفوضوية ومجنونة أفكار الإنسان، أنا استنتجت ذلك، لكنني وللأمانة لم أقل إنني كنتُ غبياً، حيث إن كل هذه الأشياء (البديهية) كان من المُفترض ألا تغيب عن ذهني منذ البدء، سيّما وأنها حدثت من قبل بسيناريو مشابه إن لم يكن مطابقا، ومع هذا لدغتُ من جحرٍ مرتين!
لهذا عزيزي القارئ الكريم اسمح لي أن أتنازل عن طلبي ودعوتي لك بأن تتخيّل أنك تعرف، سأقوم أنا بذلك نيابة عنك وأتخيّل أنني أعرف قصّة (مكائن سنجر الشهيرة) وأعرف أسباب (انهيار سوق الأسهم الشهير)، سأتخيل أنني أعرف كل ذلك.. فقط أطلب منك بعد أن اكتملت الفكرة المُراد طرحها في هذا المقال، أطلب فقط أن تقول نيابة عني ما أعرفه ولا أستطع قوله!