تعوّدَ الناس في مجتمعاتنا ألا يعطوا أنفسهم قيمة كبيرة، فغالبية الأشخاص يشعرون بلا جدوى أفكارهم وأحلامهم وعدم فعاليتها في أرض الواقع. هم يقولون أشياء من قبيل «من أنا حتى يكون لي رأي خاص بي؟»، و»من أنا حتى أغير العالم؟ أنا غير قادر حتى على تغيير نفسي!».
لماذا لا نستطيع أن نقف على أرجل قوية وبدون حاجة إلى عكازات إلا في حالات نادرة، مع أننا كائنات قادرة على ذلك؟
يولدُ الناس وفي عيونهم توق، وفي قلوبهم حبٌّ وطيش وفضول. لكنه ما يلبث أن ينطفئ. لماذا؟ لأنه يتقدم بهم العمر، وتحوّلهم الأسرُ والمدارس والجوامع والمجالس والقوانين إلى أشخاص مرعوبين، يخافون حتى من أنفسهم، ولا يستطيعون التقدّم قيد أنملة بلا خارطة، بلا نصّ، بلا شيخ، بلا أب دائم الحضور يحمل عصا التأديب وينظر بريبة إلى كل أفعالهم الطبيعية.
لماذا نبني الأُسَر، فتتحولُ إلى معتقلاتٍ للأَسر؟ يلعبُ الآباءُ والأمهات فيها دور القامع، السّجان، المسيطِر الأعظم، المستبدّ، وحاجب الحياة؟
عندما كنا صغاراً كنا نخاف التّنانين والكائنات الضخمة والعملاقة، وعندما كبرنا كبرت مخاوفنا حتى صارت تشمل أنفسنا في بعض الأحيان.
كيف تطور هذا الخوف فينا من أنفسنا يا ترى؟ وهل من الطبيعي أن يخاف الإنسان نفسه؟
ولماذا نحاول دائماً أن نجد مجموعة بشرية تحتوينا وتضمّنا وتدفئنا بجهلها المعتّق؟ إنه بدلاً من التحديق في عين الحقيقة يفضّل الناس اليقين الكاذب الذي اعتادوه على الحقيقة الجارحة التي تفاجئهم ولا أحد يحبّ أن يأخذ المخاطرة ويتفقد بعقله وبصيرته مجريات الأمور.
ألم يحن الوقت لنقول وداعاً للخوف؟ لقد كبرنا على هذا الخوف الطفولي، وآن أوان مواجهة أنفسنا بكل شيء مهما بلغت قسوة هذه المصارحة فنحن كبار كفاية لنحتمل.
إلى أين نمشي نحن البشر عندما نغرقُ مجتمعاتنا باللاجدوى والخزعبلات؟
ما الذي يبقى من إنسانيتنا عندما نتحول إلى أجهزة نسخ ولصق؟ ما الذي يبقى من إنسانيتنا عندما يحاصرنا الخوف والعزلة في نظام اقتصادي واجتماعي جائر؟
من يحرر داخلك إن لم تلتفت إلى كل الرعب البشري الذي أنت جزء منه.

