هم أكثر الأقليات سلمية (لا يريدون ولا يرفضون)، حيث تجدهم دائما خاضعين للأقوى، لأنهم يرون أنفسهم غالبا ضحية الحروب
لكن النظرية النازية ترى أنهم يحتلون مرتبة متدنية في الترتيب العرقي وهذا وحده كفيل بأن يكون تهمة يعاقبون عليها حتى وإن لم يرتكبوا أي جريمة تذكر، إلا إذا كنت تتمتع بصوت عذب كما تروي إحداهن «لقد استثناني القائد من رميي في الفرن وحرقي مع البقية لأنني أمتلك صوتا جميلا في الغناء، ولذلك كنت المحظوظة بينهم ومازلت»
إنهم الغجر الذين لا يؤمنون بالحدود الجغرافية، ولا بجواز السفر، الذي بوجوده أو عدمه يرون أنفسهم بالهامش
ولا يسعنا هنا إلا أن نتذكر مثل أنيس منصور في كتابه (نحن أولاد الغجر) «اهرش أي فنان أو مفكر أو عالم أو صوفي يظهر لك الغجري!» وعندما أشار أيضا إلى أن الغجر ليسوا الذين زرعوا الوحدة وبذروا العزلة فى عقولنا؛ ولكنهم هم الذين كشفوا عن هذه الرغبة الدفينة، إنهم لا يمتلكون إلا أنفسهم، لأنهم ليسوا من الأغلبية، ولأنهم على الهامش
وعلى الرغم من تعايشهم في مجتمعات مختلفة، مثال على ذلك في الشرق الأوسط يوجدون في العراق ولبنان والأردن وتجد عددهم يزداد في مصر إلا أنهم ما زالوا محتفظين بعاداتهم، وهذه حقيقة أبسط ما يمكن من حقوقهم، أن يحتفظوا بفلكلور خاص بهم وحدهم، يميزهم عن البقية كما ميزتهم ألوانهم الزاهية في الزمن القديم، حيث كانت تشير ألوانهم إلى السعادة والبهجة التي يجلبونها للغير والتي استبدلوها الآن بالعفوية في اختيار الثياب
يؤمنون كثيرا بالأساطير وحكايات الأسلاف لذلك يقول أنيس منصور عندما سأل الغجر لماذا تسرقون؟ فكان جوابهم المستند إلى الخرافة -هكذا تقول موروثاتهم الشعبية: إننا كنا عند المسيح فسرق جدنا الأكبر أحد المسامير التي كان يجب أن تدق في جسده، فخففنا عنه الألم، فقال لنا: افعلوا في دنياكم ما شئتم فقد عفوت عنكم، ومن يومها ونحن نسرق، فلا عقوبة لنا يوم القيامة!لذلك الغجريات يمارسن التبصير وقراءة الكف التي اكتسبوها من الإرث الهندي الذي ينتمون إليه، حيث تبدأ بالتخمين من خلال شكل الشخص الذي أمامها كيف هي تعابير وجهه، والهندام وهكذا، ثم تطلب من هذا الشخص المبلغ كي يرضوا عنه أسلافها، تقول إحدى الغجريات بسخرية عمن بصرت له «قد ما هو أهبل يدفع الميتين ليرة ويتعشى فاضي»
وتجدهم على الرغم من تفكك هذه الإيديولوجية نوعا ما في عالمنا إلا أنهم ما زالوا يستخدمون النمط القبلي في الترابط الأسري، حيث عندما تريد الغجرية الزواج من رجل خارج القبيلة تكون قد حكمت على نفسها بالقتل، أو الاستبعاد التام من القبيلة، كما صنف الباحثون في علم الاجتماع أن الغجر شعب أمومي، حيث إن جميع القرارات دائما تصدر من المرأة وإن لم تكن السلطة بيدها، وعلى الرغم من أن الغجرية تستبعد من الخيمة أو العربة في مرحلة حيضها أو حملها، اعتقادا منهم أنها ليست طاهرة، لكنها عندما تضع مولودتها -البنت- تزداد سعادة الغجري، لأنه يرى في هذه الطفلة امتدادا آخر من الجمال الغجري، والتمييز هذا للمرأة في التجمع الغجري سببه أنها هي مصدر الرزق لهم في الغالب، حيث تسمح - بعض قبائل الغجر وليس الكل- لها بالرقص أو الغناء بالخيام أو الكباريهات، والرجل الغجري يلعب دور المراقب هنا حيث إنه وإن صح التعبير حارس لها، لا يرى في مهنة الرقص عيبا كما يصف الرقص بأنه مهنة رزقهم الله بها، دون الاقتراب لمفهوم الدعارة، الذي يحرمونه على أنفسهم
وتجد من الغجر من يستفز ليجد نفسه يدافع ويبعد عنه الشبهة «نحن مجتمع كباقي أفراد المجتمعات الأخرى، تجد لدينا الصالح والطالح، المثقف وغير المثقف، لدينا أصحاب السلوكيات الجيدة والسلوكيات السيئة، لماذا يرون أننا دون المستوى، و لا يرون في قتلنا وتهميشنا عيبا؟ نحن شعب كباقي الشعوب، فلماذا لا ينظرون لإيجابياتنا؟»ويبقى هذا السؤال رهن الزمن
ذاكرة الأسفار: أرض الغجر
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
