المسلمون جزء أصيل من مواطني الغرب وروسيا

دعوة للمكاشفة حول قضية التشويه المتبادل بين الغرب والإسلام (1-3)

أشرف الحسيني - مكة المكرمة

في واحد من اللقاءات الفكرية رفيعة المستوى، احتضنت مكة لقاء حل ضيفا عليه الباحث والمحلل السياسي الفرنسي سليمان زغيدور الذي ولد وعاش طفولته في بقعة من الأرض العربية، بولاية جيجل الجزائرية، إبان الاحتلال الفرنسي لهذا القطر العربي، وكانت طفولته شاهدة على ثورة التحرير هناك والتي ألجأته إلى حياة المعسكرات.

المشرق والمغرب

تميز اللقاء الذي شارك في نقاشه نخبة من الأكاديميين والإعلاميين السعوديين والقنصل الفرنسي بجدة الدكتور لويس بلين بالمصارحة والمكاشفة، والاقتراب لأقصى نقطة في هذا البحر اللجي للعلاقة الشائكة بين الشرق، والغرب، وعلى وجه الخصوص علاقة المشرق الإسلامي بالغرب المسيحي، وقد كان زغيدور مبادرا في اللقاء إلى وضع الجميع أمام مسؤولياته منطلقا من أرضية أن المسلمين يمثلون جزءا أصيلا من مواطني الغرب، وروسيا، وعلى عكس نقاشات كثيرة بشأن هذه القضية حام المشاركون في الندوة حول الحمى، ولم يتركوه إلا وقد ولجوا إليه سبرا لأغواره، فإن كنا نحمل الغرب المسؤولية عن تشويه صورتنا، فنحن أيضا مسؤولون عن ذلك، بل ولدينا صورة مشوهة عن الغرب نفسه على حد تعبير المشاركين في النقاش الذي قدم له وللضيف رئيس التحرير الدكتور عثمان الصيني.

حوارنا بحثاً عن المشترك الإنساني بين المسلمين والغرب

نحن نتحدث عن رجل متعدد الاهتمامات والإنتاج واللغات، فهو يتقن إضافة إلى لغتيه العربية والفرنسية، الإيطالية والإسبانية والبرتغالية والعبرية، وله عدد من المؤلفات، كما عمل محللا ومراسلا وكاتبا في العديد من الصحف العالمية، وهو رئيس تحرير لتليفزيون تي في فايف موند الفرنسي، وفي هذا اللقاء نقترب منه ويقترب منا مع هذه النخبة من الباحثين والمفكرين والإعلاميين بحثا عن المشترك الإنساني وإذابة للجليد المتراكم وإزاحة للضباب المخيم على أفق العلاقة بين الإسلام والمسلمين من ناحية وبين الغرب ومسيحيته من ناحية أخرى، بحثا عن المشترك الإنساني وصولا إلى العيش الحضاري المشترك.
الدكتور عثمان الصيني - رئيس التحرير

ثقافة عرب أمريكا اللاتينية أغرتني بالتحول للشرق الأوسط

أعمل في المجال الصحفي منذ 40 عاما، في البداية عملت في أمريكا اللاتينية، كمراسل وقمت بتغطية قضايا المنطقة، عايشت مراحل الانتقال من الديكتاتورية إلى الديموقراطية في الأرجنتين والبرازيل، وفترات الانفتاح، حيث اكتشفت أهمية وحجم وعمق الدياسبورا أو الجاليات العربية، بأمريكا اللاتينية، حيث إن هناك 12 مليون برازيلي، و5.3 ملايين أرجنتيني، وتقريبا مليون تشيلي، كلهم من أصول عربية، وهذه الجاليات لها دور رائد على المستويات الأكاديمية والطبية والفنية والأدبية والسياسية، وحتى العسكرية، كما أنه خلال الـ30 عاما الأخيرة خرج 8 رؤساء جمهوريات من أصل عربي، في دول القارة الـ22.

الثقافة الشرقية

وأول كتاب لي صدر في البرازيل 1982 عن تاريخ الجاليات العربية في أمريكا اللاتينية، واندماجهم في مجتمعاتهم المختلفة، ومن هناك بدأ اهتمامي بالشرق الأوسط، فالبرازيل تعدّ الباب الذي دخلت منه إلى الشرق الأوسط، حيث انبهرت بالثقافة الشرقية خلال هؤلاء المهاجرين، وبعدها بدأت العمل في الصحافة الفرنسية، وتخصصت في الشرق الأوسط، وقمت بتغطية قضايا لبنان والعراق واليمن، وعندما دخل عرفات فلسطين 1994، كنت هناك، وعندما توفى قمت بتغطية مراسم دفنه في رام الله، بالإضافة إلى تغطيتي لأحداث جزء من العالم الإسلامي الذي يتجاهله العرب وهم المسلمون الأوروبيون.

مسلمو الغرب

وبشكل عام عندما يأتي الحديث عن المسلمين الأوروبيين يتجه التفكير نحو المهاجرين من المغرب إلى فرنسا والأتراك إلى ألمانيا والبنغال والباكستانيين إلى إنجلترا، ولكننا نقصد منهم الأوروبيين الأصل، وهم مسلمو البوسنة والجبل الأسود وسلوفينيا وبولندا واليونان وبلغاريا ورومانيا وأوكرانيا وروسيا التي تحتضن 25 مليون مواطن روسي مسلم، وقد اهتممت بهذا الموضوع وقمت بدراسته وعملت تقارير عنه.
وفيما يخص فرنسا، فهي تحتضن أكبر جالية عربية ومسلمة في أوروبا، حيث إن 10% من سكانها من أصل مسلم، وقد قمت بعمل دراسات تقارن بين اندماج المسلمين في إنجلترا وألمانيا وإسبانيا وإيطاليا وروسيا.
كما أن هناك من يكتب أمورا ضد الإسلام عن جهل، وليس عن عمد، ويوجد صحفيون مخضرمون يعملون بثقافة واطلاع ويكتبون بشكل منطقي وإنساني عن المجتمعات الإسلامية، لذا على سبيل المثال نجد أن بعض الجرائم التي تقع بحق المجتمعات الإسلامية يكشفها صحفيون غربيون وليس عربا أو مسلمين كما حدث في فضح جرائم أبو غريب بالعراق التي فضحتها الصحافة الأمريكية.
أيضاً نجد صحيفة مثل الجارديان البريطانية تعطي معلومات وإحصاءات وأحداثا وقصصا تجعل الإنسان يأخذ في الحسبان أن الفلسطينيين يتعرضون للظلم فيما يقوم به الإسرائيليون، فليس هناك صحافة غربية أو إعلام غربي كتلة موحدة حاقدة على العالم الإسلامي، في المقابل سنجد في الصحافة العربية مواقف سلبية تجاه الغرب وأتباع المسيحية أو اليهودية، وأنا دائما أدعو الصحفيين العرب أن يكون لديهم نقد ذاتي.
سليمان زغيدور - الباحث والمحلل السياسي

التكفير وراء سمعة العرب السيئة بين مسلمي القوقاز

أنا أركز على روسيا لأنها البلد المسيحي الذي يحتضن أقدم أقلية إسلامية في التاريخ، فالمسلمون صاروا أقلية في أحضان روسيا منذ سنة 1552، بمعنى أن الإسلام في الإمبراطورية الروسية صار له 5 قرون، وهذه أكبر مدرسة لفهم سبل وطرق الاندماج للمسلمين في دولة غير إسلامية ولا سيما مسيحية.
والمسلمون في روسيا لديهم حضور قوي في السياسية، والعام الماضي كان وزير الداخلية الروسي مسلما، وهو رشيد نور علييف، ومنهم رياضيون وعلماء أيضا، كما أن مدينة قازان عاصمة جمهورية تتارستان بالاتحاد الروسي هي القطب العلمي الثالث في روسيا بعد موسكو، حيث إن كل صناعات علوم الفضاء والطيران في قازان، وعدد العلماء بها، أكثر من عدد العلماء في كل العالم الإسلامي، وهم بارزون في علوم الليزر والأقمار الصناعية، والغريب أن العالم العربي يتجاهلهم، بينما تركيا تهتم بهم، ومعظمهم يتحدث التركية، وتركيا لديها وجود دبلوماسي قوي في هذه البلاد، وللأسف سمعة العرب سيئة للغاية هناك، لأن أول بعثات ذهبت إليهم، كانت من الخليج بفكرة مسبقة هي أن هؤلاء كفار ويجب إعادتهم إلى الإيمان الصحيح، فتم التعامل معهم، وكأنهم غير مسلمين، على الرغم من أنهم حاربوا كثيرا للاحتفاظ بإسلامهم، وهم أصحاب ثقافات عريقة.

مواقف عدوانية

وعندما نتحدث عن صورة الإسلام والعرب في الإعلام الغربي في الغرب، نجد أن الكثير من العرب يظنون أن الإعلام الغربي لديه مواقف عدوانية ضد الإسلام وهذا غير صحيح لعدة أسباب، منها أن الإعلام الغربي ليس كله كتلة واحدة تعزف على نفس النغم، وإنما هناك صحف ومراكز إعلامية لديها عدة انتماءات، وهناك وسائل إعلام اختارت العمل ضد الإسلام وهي معروفة، ولكنها تمثل أقلية في الإعلام الأوروبي والأمريكي، كما أن هناك صحفيين كتابتهم صبغتها ضد الإسلام ولكن ليس بشكل عقائدي، وإن هناك صحفا لديها موقف حاقد ضد الإسلام بشكل عقائدي عمدا وبشكل منظم ولكنها أقلية، وجمهورها من ينتمون لنفس التيار الأيديولوجي فقط، ولكنهم لا يؤثرون في عقول جديدة بهذه الكتابات.
سليمان زغيدور

تشويه صورة المسلمين في المناهج الغربية هو الأخطر

«نحن نتساءل عن صورة الإسلام والمسلمين في المناهج الدراسية في الغرب، كونها تعد الأخطر، لأنها هي التي تربي أبناء الغربيين على صورة سيئة للإسلام، وسبق أن اطلعت على بحث عن صورتنا في المنهج الغربي وهي صورة عدوانية، حيث يصفون العرب والمسلمين بأوصاف البدائية والحيوانية وعدم التحضر، كما أنني عملت في ينبع الصناعية والتي نسميها مدينة القرن الـ21، والتي كان بها المدرسة الدولية، وكانت تدرس ثقافة عن وضع العرب والمسلمين، ووجدناهم في أحد الكتب يعلمون أبناءنا أننا بدو نعيش على رعي الإبل وشرب حليبها، ونعيش في الخيام على الرغم من أن هؤلاء الأبناء يعيشون في المدينة الحضارية والتي تعد أفضل من كثير من مدن أوروبا نفسها.
فأنا أرجو أن يحظى موضوع المناهج من دراسات الباحث سليمان بمساحة أكبر، لأنه؛ أن تربي إنسانا على قيم ومبادئ تعيش معه 60 عاما غير أن ترسل رسالة عن طريق الإعلام الذي قد لا يؤثر كثيرا، وكل ما يكتب في المناهج وتغذى به العقول هو المؤثر الأقوى، وهناك كتاب أصدره الأمين العام للهيئة العليا التنسيقية للمنظمة الإسلامية درس دراسة تتبعية للمناهج في فرنسا والنمسا وبريطانيا، وقال إن هناك تشويها لصورة المسلمين وتاريخهم».
الدكتور سليمان الزايدي - المشرف على مكتب الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان بمكة المكرمة

الغرب يمتدح الإسلام صدقا مع أولاده وليس حبا في المسلمين

أنا درست موضوع المناهج، والوضع يختلف من بلد لآخر، فمثلا في ألمانيا الحكومة تمول تعليم التربية الإسلامية وعلى عكس فرنسا، وفيما يخص المناهج التعليمية الفرنسية التاريخية، فليس هناك مادة مدرسية فرنسية تصف العقيدة الإسلامية، لأن النظام علماني ولكن هناك صفحات عن التاريخ الإسلامي، وليس هناك نصف سطر يقول إن العرب يعيشون مع الإبل.

تجريم العنصرية

وإذا خرج مثل هذا فإنه يخضع لقانون تجريم العنصرية، وإلى قانون جنائي ويمنع الكتاب من التداول، وهناك جدل في بعض المناهج التعليمية التي تتحدث عن تاريخ الإسلام وخاصة انتشار الإسلام تركز على الفتوحات كعملية جهادية، مثلا إذا كان هناك 3 صفحات عن تاريخ الإسلام فنجد فيها نصف صفحة عن الفتوحات العسكرية، وهناك أناس قالوا إن هذا صحيح ولكن لماذا هذا التضخيم عسكرياً عن الفتوحات الإسلامية، الإسلام انتشر بسبل أخرى ليس فقط بالحرب، ولكن في هذه الصفحات الثلاث يتحدثون عن الحقبة الذهبية في تاريخ الإسلام، وعن الخوارزمي وعن دور العرب والمسلمين في الرياضيات وعلم الفلك والطب وابن رشد.
وهم حين يفعلون ذلك ليس لمحبة العرب أو المسلمين، ولكن لمحبة أولادهم، لأنه إذا كنت تريد أن يكون المواطن الفرنسي محترما إنسانياً لا يجب أن تقدم له معلومات خاطئة، ويجب أن تعطيه صورة للواقع، والعقلانيون يعرفون أن الإسلام لا ينحصر في الإبل أو الجهاد، ولهذا يعطون لأولادهم معلومات تاريخية صحيحة، وهناك مدارس خاصة، وليست حكومية لها مناهج تعليمية خاصة، وهؤلاء من الممكن أن يركزوا على الجهاد، وفي بعض الدروس يقولون إن الجهاد هو الركن السادس في الإسلام.

وجود المسلمين

ولا أنسى الإشارة إلى أن وزيرة التربية والتعليم في فرنسا هي مسلمة اسمها نجاة بلقاسم، وهل ممكن لوزيرة مغربية الأصل أن تقبل بهذا الكرسي الوزاري إذا كانت المناهج التعليمية تصف دينها بالتزمت والتخلف، كما أن فرنسا كبلد بعلاقتها التاريخية مع الإسلام وبوجود مسلمين كوزراء وأطباء وفنانين وصحفيين ونواب من المستحيل تسمح لنفسها أن يكون لديها مناهج تعليمية تسب الإسلام.
وهناك بلدان مثل إنجلترا وإسبانيا والبرتغال وإيطاليا أيضا لديها مناهج لا تسب الإسلام، لأن هناك قوانين ضد العنصرية في أوروبا، بمعنى أن العنصرية إذا وصلت لدرجة معينة تخضع للقانون الجنائي، وقد تصل للسجن، وليس فقط لمعارضة إنسانية وشعبية، لكن هناك أحزاب سياسية ضد المسلمين، وهي عنصرية وحاقدة على الإسلام وهي ذات أيديولوجيات معادية للإسلام، ولكن هؤلاء لحسن الحظ لا يمثلون أكثر من 10 – 15% من المجتمع، كما أنه ليس هناك إسلام فرنسي له صبغة مذهبية، وإذا صنفنا الإسلام مذهبياً في فرنسا فهو 70% إسلام سني مالكي، و30% حنفي، والشافعي والحنبلي ضئيل جداً، كما أن الشيعة قلة.
سليمان زغيدور

 

دعوة للمكاشفة حول قضية التشويه المتبادل بين الغرب والإسلام (1-3)

دعوة لمؤتمر دولي تتبناه السعودية حول التشويه المتبادل بين المسلمين والغرب (2-3)

دعوة لتصحيح صورة الإسلام بضبط سلوك المسلمين (3-3)