الطموح والرغبة في التميز والإنجاز فطرة في كل البشر، لكن الحياة لا تسير كما يشتهي الواحد منا، فيقنع البعض بما حصله، بينما يتذمر ويقلق آخرون لفوات محصولهم.
عرضت صحيفة الجارديان البريطانية تقريرا عجيبا بعنوان «كيف قتلتني تقريبا جامعة كامبرديج» يتحدث التقرير عن طلاب الجامعة، وهم (نخبة في المجال المعرفي والعقلي بلا شك)، وكيف أن التنافس الشديد بينهم يصيب ما يقرب من خمس الطلاب بالاكتئاب.
الانضمام لهذه الجامعة حلم عشرات الملايين من الطلاب (بمن فيهم كاتب هذه الأسطر)، لكن مشكلة بعض الطلاب أنه لا يرضى بهذا التميز وإنما يريد أن يتميز على المتميزين فيها، بمعنى آخر، لو رضي الطالب أن يكون مستواه عاديا في الجامعة أو يذهب لجامعة أقل مستوى من كامبرديج ويتفوق فيها، لكانت حياته أسعد بكثير.
القمة لا تتسع للجميع إما أن تغير مسارك لمسار أسهل أو ترضى بما يتوفر لك في مسارك الحالي.
قد يقول البعض إن هذا التعلق (المرضي) يصدر من شريحة من المجتمع توعدت أن تكون في المقدمة دائما، لكن الهوس بالتميز قد يصيب أناسا كانت بداية حياتهم متواضعة.
حدثني صديق عن موظف كان يعمل فنيا في إحدى الشركات الكبرى، قرر في لحظة ما بعدما توصل إلى أن طموحه محدود في الشركة من دون الحصول على شهادة الهندسة، أن يقدم استقالته من الشركة وينضم إلى جامعة الملك فهد للبترول والمعادن.
تخرج الطالب بتفوق من الجامعة وتقدم لنفس الشركة كمهندس وليس فنيا، لكنه رفض في المقابلة، بسبب ما تبين من سلوكه وحديثه أن لديه تعلقا كبيرا بالمتميز والإنجاز وأن وجوده في الشركة سيكون مدعاة قلق له ولزملائه.
هناك مقترحان للتخفيف من غلواء التميز: 1 - الإنجاز والتميز يبدوان لنا أكبر وأعظم قبل حصولنا عليهما، حدثني شاب حصل مؤخرا على درجة الدكتوراه في القانون من أستراليا، أن حصوله عليها كان أقل بكثير مما تصوره عندما كان طالبا في جامعة الملك سعود يدرس القانون.
ذكر الشيخ علي الطنطاوي كثيرا في مذكراته أن الأمجاد التي حصل عليها في حياته كانت تفقد كثيرا من بريقها عندما يحصل عليها.
2 - الحياة أعمق من أن نحصرها في الإنجاز والتميز، الرضا عن النفس ومحبة الناس لنا والعافية في البدن والسلامة من الآثام هي من تستحق منا الاهتمام والعمل.
الاسترسال في الأمنيات والتعلق بها لن يتوقف عند أمنية أو أمنتين، إنها حالة ذهنية وشعورية تجعل الواحد منا لا يتوقف عن الطلب والتذمر.
التعلق المرضي بالتميز
حمود الباهلي2 دقائق للقراءة

حجم الخط
