بالأسبوع الماضي قمت بإعطاء صورة عامة عن ظروف الصناعة وآثار أنشطة التطوير فيها على تقادم التخصصات وتعطيل إمكانيات الخريجين. ثم ختمت مقالي بنصائح أساسية لمن يريد الوقوف بوجه تلك القوى والتقدم بلعب أدوار قيادية من منطلق تخصصاتهم. مقال اليوم يقدم تفصيلا أوفر لبعض الفرص القيادية التي يمكن أن يخلقها الخريجون لأنفسهم.
أفتتح المقال بتصوير نموذج أسميته «قرية الرياديين والسعداء». لنتخيل أنه يعيش في إحدى القرى ثلاثة أشخاص يمتلكون معارف وموارد لا يتمتع بها معظم الناس: الأول طبيب، والثاني نجار والثالث يمتلك حقولا ومزارع. هناك خياران، إما أن يقوم هؤلاء الثلاثة بكتمان وحبس تلك المزايا عن الناس، وترك أهل القرية يعانون من الأمراض ومن نقص بالأدوات والموارد الغذائية، أو أن يقومون - مستعينين بما يمتلكونه من امتيازات ومعرفة جيدة بأوضاع القرية - بتجهيز مبادرات أو حلول متكاملة في صورة منتجات أو خدمات فريدة، ثم عرضها على الناس كأدوات فاعلة في معالجة مشكلاتهم. أي الخيارين يفتح لهؤلاء الثلاثة فرص الريادة من منطلق صنعتهم وللمجتمع أبواب السعادة؟ بالطبع الخيار الثاني. فتبني الأفراد لمبادرات مجتمعية (سواءا تطوعية أو ربحية) سيجلب لهم اعتراف الناس ودعمهم والارتقاء السريع بأنفسهم وبمجتمعاتهم.
قس على هذا النموذج الخريجين وما يمتلكونه من معارف ومهارات أو براءات اختراع وقس عليه مجتمعنا الذي ينتظر حلولهم ومشاريعهم المتكاملة مع احتياجاته.
يتطلب العمل الريادي إتقان الفرد لتخصصه وإدراكه بمشكلات مجتمعه، حتى يتمكن من مزاوجة ما لديه من مزايا معرفية مع ما يتطلع إليه الناس من حلول أو مشاريع مثلى وفريدة. ومتى يصبح الدور قياديا؟ عندما يكسب صاحب الفكرة أو المنتج الاعتراف الواسع من الناس ويستقطب دعم المهتمين لتمويلها كمشروع، أو تطبيقها أو شرائها ونشرها.
أيضا، يتطلب العمل الريادي إيمان الفرد بفكرته وعمل مستمر وثبات في سبيل تعريفها للناس ونشرها، ويتطلب أيضا الاستمرار في تحسينها وكذلك تحديثها حسب ما يطرأ من تغيرات على تفضيلات الناس وظروفهم. بعض الحلول أو المنتجات لا تأخذ وقتا في الانتشار، كتجربة شبكة الانستقرام. وبعضها معقدة وتتطلب مراعاة كبيرة لأذواق الناس وحملات دعائية مكلفة لإقناعهم بفاعليتها.
إليكم نموذجا توضيحيا: أتقن أحد الخريجين برمجة تطبيقات الهواتف الذكية، ويحلم بقيادة تلك الصنعة. يعاني مجتمعه من مشكلة وهي أن أغلب مزودي الخدمة لا يقدمونها بالجودة ولا السعر المطلوب. ولتحقيق حلمه الريادي، يبدأ بعمل نماذج لتطبيقات فريدة تحقق التكامل الأمثل بين ما تعلمه من معارف متقدمة وبين ما يتطلع إليه الناس من جودة وأداء وسعر. ولتنتشر نماذجه، يستعين بحملات إعلانية أو توعوية لتقديم شروحات مفصلة لطبيعة الفكرة وكيف تتميز على نظيراتها لتكتسب الثقة.
تذكر، كلما عانى المجتمع من مشكلات زادت الفرص القيادية فيه. فالعمل القيادي ما هو إلا تبنيك لحلول متخصصة وبارعة تغير حياة الناس للأفضل.