جاء ابن الثامنة ليخبر أمه بالصدفة عن أمر لم يخطر لها على بال! قال: إن الخاطب لا يجوز له أن يرى من سيخطبها! وإن الأستاذ في مدرسة التحفيظ قال: بل عليه أن «يتربص بها !!» .. وسقط قلب أمّه في القاع... فبعد ثماني سنوات من التربية وغرس نبتة احترام الأخوات من البنات وتعظيم دور الأم والخالة والعمة والجدّة. يأتي أستاذ اختلط عليه العلم ليدمر عمر الصبي بفكر مضلّ وتفسيرات مغلوطة، فينزع نهج الاعتدال ويهيئ للتطرف في الفكر ويشوش القيم الإنسانية النبيلة!
سألته الأم: ما معنى يتربص؟ كيف فسّرها لكم أستاذكم؟ قال الصغير: يعني يتحين الفرص ليرى من يريد خطبتها ويتأهب دوما لمحاولات انتظار المخطوبة في الشارع أو من خلف النافذة أو في السوق ليملأ عينه منها، ثم يذهب إلى أهلها فيخطبها إن أراد!
تحكي لنا أمه الحكاية وهي المرأة المتعلمة الواعية، وكلنا بين مصدق ومستهجن ومستغرب، بعضنا يضحك من الأسى وبعضنا يدمع من تلك الممارسات الغريبة التي لا تمت للعرف الاجتماعي المقبول، وفوق هذا وذاك تقال لصبي صغير في عمر الثامنة!
وهناك حكاية طفل الثاني الابتدائي الذي يرفض أخاه الأكبر منه بسنوات أن ينام معه في نفس الغرفة لأنه يحتضن دبه الصغير عندما ينام، والسبب أن معلمة اللغة العربية من معلمات المدرسة العالمية والتي تدرسه مواد الهوية، تقول: إن الدب في الليل يتحول إلى شيطان يتلبس الدمية فلا يفارقها، ولذلك هو خائف ولا يقدر أن ينام!
من منا لم تمر به مواقف كتلك؟ المواقف التي يتجنى بها معلم بائس على منظومة القيم والفكر والإسلام الصحيح، ليشوه نفسيات الأطفال ويقلب حياة الأسر بدعوى الدين والحرام، الذي يجرؤ البعض على تسميته حراما، وأن مرتكبيه (من أهل الطفل) كلهم في النار وستشوى جلودهم ويبدلون غيرها إن لم يرتدعوا!
فما هذا الذي يجري في مدارسنا! وما الذي حصل لجيل الصحوة والاعتدال والتنوير؟ ومن أين يأتي هؤلاء ليتسنموا شرف مهنة التعليم فيدمروا جيلا غضّا يُنتظر منه أن يبني مستقبل البلاد ويحمل على عاتقه نشر رسالة الإسلام بالممارسات والمعاملة الحسنة وليس بالتخويف والرعب والترهيب!!
محتارة أنا في مقالي هذا، فلست أجد إلا تكرار علامات الاستفهام عشرات المرّات ولا أجد إجابات سوى أن يهدينا الله إلى رشدنا، فمسؤولية التربية في عصرنا هذا جسيمة تنوء بها الجبال.
المسؤولية تقع على عاتق الوالدين والمعلمين والمربين وقيادات المدارس في جميع مسارات التعليم العام أو التعليم الدولي، وما زال بعض المعلمين يجهلون أنهم يجهلون! ويكتفي ديوان الخدمة بتعيين من حمل مؤهلا تربويا (إن كان تربويا) لإجراء مفاضلات مشبوهة ثم يتم التعيين لمن جلسوا في بيوتهم سنين دون عمل ثم يقذف بهم دون اختبارات أو دورات تأهلية إلزامية ينهونها! ليتولى كل منهم بصفاقة تجهيل الأجيال الجديدة.
وكيف لطفل صغير أن يفهم معنى (التربّص) في بداية عمره؟ ثم ننتظر منه أن يعف نفسه ويتعامل بتحضر ورقي مع الأنثى!
القادم ليس كالح السواد، به بعض البقع الرمادية! ولكن إن سكتنا وتُرك الحبل على الغارب لأصحاب الفكر الشاذ ودعاة التخويف والترهيب، فسنندم على التفريط في أولادنا.
المطلوب هو اليقظة لمن يدرك أنه راعٍ ومسؤول عن رعيته، هي دعوة لكل أم وأب، فالأسرة هي الأساس وعليهم أن ينتبهوا لما تغرسه المدارس والمعلمون في عقل ووجدان أطفالهم، دعوة للمتابعة اليومية اللصيقة والحوارات المشجعة والتدعيم الحميد، وعدم السكوت على بداية الشرر لكي يثمر الحصاد مستقبلاً زاهرا.
وهي دعوة أخرى لوزارة التربية والتعليم لفرض رخصة المعلم والحرص على اختيار المتمكن القوي الأمين، وتمحيص الفكر والقيم والمبادئ، وإلا فليجلسوا في بيوتهم غير مأسوف عليهم، وهو مطلب ملحاح لقيادات الإدارات التعليمية والمديرين في الإدارات الوسطى، انزلوا من بروجكم.
غادروا مكاتبكم لمتابعة ما يجري في الفصول وساحات المدارس وما حولها، اسألوا التلاميذ عن المناهج وما يدرسونه وما يلقنون، فالتعليم أمانة يتركها الأهالي في ذمة القائمين عليه إلى يوم الدين، وستشهد الألسن والأيدي عند رب الناس بما كسبت.
قد كبر الذي قال له المعلّم أن «يتربص» وأفلح وصلح حاله وتزوج دون أن (يتربص) لأن أمه ناقشته وتداركت بداية الدمار، لكن الباقي يتكاثرون على الهامش، يحتقرون المرأة ويعاملونها بدونية مقيتة.
"يتربص بها !!"
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
