الأحاديث الفضفاضة والتقارير الإنشائية التي لا تستند إلى أرقام تدعمها وتؤكدها لا يعتد بها في علم المال والاقتصاد، وعندما يتعلق الحديث بالتنمية والفقر ورفاهية المواطن، تفقد التصريحات والتقارير الإنشائية الفضفاضة مصداقيتها وقيمتها، لأن لغة الأرقام الفيصل، والأقرب إلى الصواب دائماً، لأنها لا تكذب ولا تتجمل، وتظهر الحقائق، وتعبر عن الواقع بصيغة لا تقبل الشك.
وتحت مصطلح التقارير والتصريحات الفضفاضة تندرج معظم تقارير الوزارات والهيئات والمؤسسات العامة التي لا تستند إلى أرقام وإحصائيات، فبعد تصريح وزير الاقتصاد والتخطيط الدكتور محمد الجاسر الشهير حول مستوى رفاهية المواطن السعودي الذي أشار فيه إلى أن المواطن السعودي ينعم بمستوى عالٍ من الرفاهية مقارنة باقتصاديات دول العالم الأخرى، دون أن يقدم الوزير الذي جاء من رحم مؤسسة الأرقام (النقد) إلى وزارة يعمل تحت مظلته مركز الإحصاء الرسمي للحكومة (مصلحة الإحصاءات العامة والمعلومات) إحصائياً ما يدعم مستوى الرفاهية الذي تحدث عنه، جاء تقرير وزارة الشؤون الاجتماعية الذي نُوقش مؤخراً في مجلس الشورى ليكمل سلسلة تقارير وأحاديث الرفاهية الفضفاضة، فتوفير الرعاية الاجتماعية لمن يحتاجها، انخفاض نسبة المسجلين في الضمان الاجتماعي أحد مؤشرات الرفاه التي تحدث عنها وزير الاقتصاد والتخطيط، ولا يمكن الحديث عن مستوى عال من الرفاه في ظل محدودية مؤسسات الرعاية الاجتماعية، وتزايد أعداد المسجلين في الضمان الاجتماعي.
وتقرير وزارة الشؤون الاجتماعية الذي حظي بانتقادات واسعة من قبل أعضاء مجلس الشورى، كحال معظم التقارير الحكومية التي يعاد إصدارها نهاية كل عام مالي مع تغيير بسيط في الشكل لا المضمون، جاء إنشائياً فضفاضاً خالياً من الأرقام والإحصاءات، ولم يلتزم بمؤشرات وقواعد إعداد التقارير الحكومية، ولا معايير قياس الأداء الحكومي، ومال إلى تسمية الأشياء بغير مسمياتها، فلم يورد الفقر باسمه الصريح، بل تمت مواراته تحت مسميات أخرى، بما لا يناقض تصريح وزير الاقتصاد والتخطيط المتعلق بالرفاهية، ولأن ذكر اسم الفقر صراحة في التقرير سيحرج كلتا الوزارتين.
وكان رد عضو/ة مجلس الشورى الأميرة موضي بنت خالد بن عبدالعزيز صريحاً، وشفافاً، وواقعياً، عندما قالت في مداخلتها إن خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز - أطال الله عمره- استعمل مصطلح الفقر، وأنه أعلنها صراحة خلال زيارته الشهيرة لأحياء الفقر في الرياض نهاية التسعينات الميلادية من القرن الماضي، وأنه سمّى الأشياء بأسمائها واستعمل مصطلح الفقر، ولم يواره مثلما فعلت الوزارة، فلا يوجد سبب مقنع يمنع من الحديث عن الفقر، وتسميته باسمه الصريح، فالحديث عن المشكلة، والاعتراف بها أول الخطوات الصحيحة لحلها.
ولأن الفقر والرفاهية نقيضان يستحيل أن يلتقيا، فذكر مصطلح الفقر أو مواراته تحت أي مسمى تفضحه أعداد المستفيدين من الضمان الاجتماعي حتى ولو حاولت الوزارة إخفاءها، ففي شعبان الماضي، كشفت وزارة الشؤون الاجتماعية عن 875 ألفا و735 حالة مستفيدة من خدمات وكالة الضمان الاجتماعي، فيما تجاوز عدد الحالات التي تتقاضى الرواتب أكثر من 75 ألف حالة، وأن الوكالة تستقبل سنوياً نحو 75 ألف حالة جديدة بعد استبعاد حالات الوفاة، وعدم أحقية الحصول على المساعدات، دون أن تكشف الوزارة عن الأسباب الحقيقية وراء تزايد أعداد المسجلين في الضمان الاجتماعي، أو تقدم الحلول التي تمكن من تحويل هذه الحالات إلى أسر منتجة، تعتمد على مواردها الذاتية، فالبحث الاجتماعي الذي تقوم بها الوزارة لمستفيدي الضمان الاجتماعي كافياً لتقديم رؤية جيدة عن أسباب تزايد الطلب على المساعدات الاجتماعية، وبالتالي يفترض أن تكون الوزارة على معرفة ودراية تامة بأسباب هذه الزيادة، لكن تصريحات مسؤولي الوزارة، وتقاريرها تخلو من توضيح أسباب هذا الارتفاع في الطلب، وتفوت بذلك فرصة وضع الجهات المعنية في الواقع وتصوراته، في ظل عدم وضوح دور الوزارة ممثلة في الصندوق الوطني الخيري الذي أُنشئ في شوال 1423هـ قبل 12 عاماً في دعم هؤلاء الأسر، وإسهامه في تخفيض نسبة الفقر.
وأعتقد يقيناً أن عشر سنوات كافية لتقييم عمل الصندوق الوطني الخيري، ومعرفة ما إذا كانت إدارة الصندوق تسير في الاتجاه الصحيح، وهل حقق الأهداف التي أُنشئ من أجلها؟ لكنني لست متفائلا كثيراً بالاستراتيجية التي يدار بها الصندوق في ظل تزايد الطلب على الضمان الاجتماعي، وعدم وضوح وشفافية الوزارة في الكشف عن إنجازاته.