استكمالًا لموضوع السجال والحوار الذي طرح نظريًّا في الأسبوع الماضي، سأحاول أن ألقي الضوء على منظومة خطاب سجاليّ محليّ، من خلال تجربة حديثة العهد، لا تبدو هذه الحالة المرة الأولى التي تنخرط فيها معظم شرائح المجتمع في صراع رمزيّ متواتر، يتوارى خلف موضوع ما، ولكنها قد تكون المرة الأولى التي تتفاعل شرارتها في موضوع اقتصاديّ يتصل باكتتاب بنكيّ، إذ جرت العادة أن تتلمس تلك الخطابات السجاليّة نشاطها في واحد من ثلاثة حقول: دينيّة أو أدبيّة أو تعليميّة، لكنها حاولت في هذه التجربة تنشيط دورها الاقتصاديّ وتجريبه، متلمسة الخوض في مناطق جديدة، مستغلة وسائل الإعلام التقليديّة والجديدة.
ونظرا لكثافة ما أنتج في هذا الخطاب السجاليّ الذي لن ينتهي بانتهاء هذا التناول، فقد كان لهذا الخطاب سماته المشتركة وآلياته الواضحة، مع أنه خطاب يتنازعه تياران بدا أحدهما في جلباب تقليديّ، والآخر في رداء منفعيّ (براغماتيّ)، ومن أبرز تلك السمات غياب المتلقي الجاهز، إذ تبنى كلا الفريقان لعبة الرهان على المتلقي، ولذلك كانت الآليات الموظفة لكليهما رغبة في إقناعه متشابهة ومتقاربة، إذ تفاعل الأول منهما مع بعض الفتاوى الدينيّة بتحريم الاكتتاب وعظم خطره الدنيويّ والأخرويّ، واستعمال المفردات ذات الدلالات الدينية مثل (الربا) بوصفها الكلمة الأكثر شيوعًا في قاموس ذلك الخطاب. ودعا الفريق الآخر إلى تفعيل دور العقل في قياس الاكتتاب باكتتابات سابقة، ووجود فتاوى أخرى تبيح الاكتتاب ولا تحرمه.
ومن تلك الآليات التي راج استخدامها في الخطاب لكلا التيارين الميل إلى الإجابات القصيرة المسكتة، التي تتبنى في بنائها استثمار السلطة الدينيّة أو الوطنيّة، من خلال اتفاق كليهما على محاولة استثمار إحدى المرجعيتين المؤثرتين؛ وهما الدينيّ أو الوطنيّ، وكان لذلك أثره في توتر السجال ووصوله إلى جدل ملتهب هدف إلى فشل الاكتتاب أو نجاحه، وكأن الإخفاق نجاح للتدين، أو النجاح سقوط له، أدى ذلك إلى غياب التسامح في التناول إذ لا خيار أمام الفرد من هذا المنظور سوى أن يكون مكتتبًا وطنيًّا فقد دينه، أو أن يكون متدينًا فقد وطنيته، ولهذا تزايدت حدة السجال ولا سيما بين بعض المقلدين الذين يرون أن لا عوض عن وضع أنفسهم في أحد هذين الخيارين المتطرفين، ولما كان بعضهم يعيش حالة من التردد بين الرفض والطمع فقد انساقوا في ترديد الدعاء على الخصم، وقد يصل الأمر إلى تهديده ووعيده.
لا تتمثل أزمة ذلك الخطاب السجاليّ الاكتتابيّ في آلياته فحسب، ولكنها تتمثل في كونه اشتغل في منطقة جديدة تمامًا، إذ كان يعتقد بتشابهها مع حقول سبق له خوض معاركه فيها، فكان هذان الفريقان بوصفهما ممثلين لذلك الخطاب أشبه بفريقين تركا ملاعبهما الجاهزة للعب، ورضيا اللعب في منطقة مظلمة غير ممهدة، فلم يستطع مهاجموهما التسديد، ولم يسلم لاعبوهما من السقوط.