هل حاولت يوما ما أن تغمض عينيك وتسد أذنيك ثم تعزل نفسك تماما عن كل ما يدور في هذا العالم، بالطبع لا، ولكن ماذا يمكن أن يحدث إن نجحت هذه المحاولة؟
في عام 1954 بدأ الطبيب وعالم الأعصاب الأمريكي متعدد المواهب جون ليلي تجربته الغريبة لدراسة آثار عزل الحواس وذلك بوضع المتطوعين في وعاء مائي مظلم وعازل للصوت بعد تغطية عيونهم ووضعهم سدادات أذن تمنع وصول أي صوت، بالإضافة إلى ذلك كانوا معزولين حتى عن الإحساس كون درجة حرارة الماء هي نفسها درجة حرارة الجسم، فلا إحساس بالحرارة أو البرودة أو الحركة. تخيل الآن ماذا حدث لهؤلاء.
الدقائق الأولى في هذا السكون المظلم بدت هادئة تبعث على الهدوء والاسترخاء، ثم بدأ بعضهم يرى وجوها غريبة وأشكالا هندسية تتمايل ويسمع أصواتا لأناسٍ لا وجود لهم، وزادت الهلوسات السمعية والبصرية بمرور الوقت، حتى إن جون ليلي نفسه صرح أنه تحدث مع مخلوقات من عوالم أخرى.
سلب الحواس من الإنسان (sensory depreviation) عن طريق وضعه في وعاء مائي عازل للصوت والضوء لفترة لا تتجاوز ساعة واحدة تستعمله حاليا بعض المصحات النفسية للاسترخاء كما تم تجريبه في العلاج السلوكي للإقلاع عن التدخين والكحول، أما في المعتقلات والسجون فقد استخدم مع بعض التعديلات كأداة للتعذيب ونزع الاعترافات من المتهمين في جوانتنامو بغمر الوجه بالماء، وإيرلندا الشمالية بتغطية وجه السجين ووضعه في غرف عازلة، ولوحظ أن تأثيره يمتد لسنوات بعدها.
لا يزال العالم يتذكر قفزة كارل لويس التاريخية في أولمبياد سول 1988، والتي حاز على إثرها الميدالية الذهبية في الوثب الطويل بالإضافة إلى ميداليتي سباق مائة متر ذهبية ومائتي متر فضية، وقد كان لويس من أوائل الرياضيين الذين استفادوا من تقنية عزل الحواس في وعاء مائي أضيف إليه خاصية الطفو (Tanks Floatation) وهو ما يريح العضلات ويسرع في تعافيها من آثار المجهود العنيف استعدادا للسباق القادم، وهو ما يعتقد أن لاعب برشلونة ليونيل ميسي يقوم به حاليا.
عندما تحاول عزل نفسك وحواسك في المرة القادمة قد تحس بالراحة قليلا، ولكن لا تطل الوقت.

