هناك أشياء لها طبْع التّزاوُج والانصهار، فمَن يشْتهي المَخلوطاتِ يستنفِرُ موجودات الدّنيا ليظفَرَ بنكهةٍ تكونَ مصدر أمانٍ له في رغبَاته ونزواته، أو تصبح مهرباً له حينَ يشتكي وحدةَ النفس وضيق الحياة (وطَفَش) التّعايش، ومن يبحث عن التميز يحسِب المقادير والجزئيّات كأهل (الكيمياء) ليسجل معادلة تفصيلية (لخلطة سرية) تُميزه عن غيره كما تفعله لوحة سيارته.
ونزعات النّفس الإنسانيّة نلاحظها جليّة عندَ العطّارين وأصحاب المزاج (الرّايق) أو المتعكر وعند الطباخين (والشّيفات) والزّوجات اللاتي يبحثن عن قلوب الأزواج في بطونهم، ولن تخلو أنوف الشمّامين لأحدث صيحات العطور العالمية من نظريّة المَزْج والتّزاوج بين صنوف المواد الأوليّة ليغوص النّاس في رومانسيّة تقبع داخل (قوارير) الرّوائح، والنّاظر في اتّجاهات المصمّمين للدّيكور والأزياء والبناء ستشدّهُ تلك المفارقات في جذْبِ الأفكار من الشّرق والشمال ليكونَ العمل الواحد (مهرجاناً) للغريب.
كأنّ الحال يدعو للبحث عن السّيطرة على سرعة الالتصاق بكلّ جديد ومستقدَم من خارج البيئة والوطن لنستطيع أن نأمن انفجاراً متوقعاً قد يحدث من ممارسات من لا يحسن تقدير عواقب اللّعب بالمواد (الكيميائيّة)، فليس جميع ما يُشاهَد قابلاً للانصهار مع أشياء أخرى بعيدة عنه في التكوين والبقاء والكثافة والتكيّف، وصحيح أنّ الله خلق من كلّ شيء زوجين اثنين، لكنّ المُصيب من قدّر أحقّيةَ هذا التّزاوج قبل تطبيقه.
شاعت أمْزِجة تخلط الشّاهي بالحليب، وأخرى تضيفُ قليلاً من اللّيمون على كوبِ الشّاهي، وآخرون لا يتذوّقونَ الشّاهي إلا بالنّعناع أو ما يشابهه من النّباتات العِطريّة، وليس بغريب أنْ يحبّ قوم (الأرز باللّبن)، ويعشق أُناس (المكرونة بالبشاميل)، ورجالٌ مزاجهم في لبس (الغترة بالطّاقيّة) وآخرون يضيفونَ (عقالاً) وغيرهم يستطيعونَ السّيطرة على (أشْمغتهم) بدون (طاقيّة) تحتها، ونساء يروق لهن الخضاب (الحنّاء) مع (الجينْز) وأخريات لهن باع طويل في لبس مصاغهن كله أثناء الدّوام، وللإعلام طريق وعِرة في إرضاءِ الجماهير فأخرج لنا خلَطات من نباتٍ شتّى وبرامج متنافرة ترتيباً وتقديماً وهدفاً نتيجَة مزْجِهِ لغير المتجانسات في وقت أو مكان واحد.
ما يستدعي هذا التّشويش في الأفكار الطّبيعي منها والشّاذ هو أنّنالا نقوم برحلة استكشافيّة في خصائص الأشياء وميزات المواد قبل خلطها مع بعضها، وكذلك لا يعنينا في شيء أن تكونَ لمفردات السّلوك والتّصرّفات أوقاتٌ وأمكنة لا تصلُح إلا فيها ولا تؤتي أُكُلها إلا حينها فترمي بنا الخِفّة في نتائج ممْجوجة.
وفي الإعلام المقروء (كرنفال) مليء بألوان المجرّة الكونيّة دونَ تجانس أو مراعاة لمطّلع، وفي بعض شوارعنا وتجمّعاتنا وتصرّفات بعض أفرادنا إسفاف وتغريب وتشويه لما هو مفترَض في الأماكن العامة والظاهرة، وكلّما سمعت حوارات ونقاشات مثقفينا بدا لي المنظر أشبه بمصارعة الثّيران أو نِقار الدّيكة دونَ نتيجة إيجابيّة سوى مزيد من فجوة وأحقاد.
كانوا قديماً يستهجنونَ من يجمَع في حديثه اتّجاهات كثيرة ويعبّرون بالعامّية أنّه (يجمع أبو قَرْش على أبو قَرْشين) ويقولون لباغي الشر أنّه (يصُبُّ الزّيتَ على النّار) وينادون من يمزج بين الغرائب بأنّه (يجمعُ عبّاس على دبّاس) أو يُدخِل (شعبان في رمضان)، لذلك فمبدأ معرفة العلاقات بين الأشياء عامل كبير في حصول نتائج ترضي الإنسان كتلك الذي يجدها من يحب (الشاهي بالحليب).
شاهي حليب
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
