يشهد العالم العربي أحياناً تجاذبات فكرية، وأحياناً أخلاقية للخلاف بين توجهات الأديب الحالمة، وبين سلطة العلم الصارمة، فقد تعارفت الأمم أن الشعراء يسبحون في فلك من الأحلام، وأنهم غالباً يقولون ما لا يفعلون، ويكثرون الكذب فهم يجعلون الوضيع سيداً في كلامهم، ويجعلون الناسك أضحوكة للجماهير، ويخفضون شأن السادة والكبراء، ويلصقون بخصومهم التهم الكاذبة، مثل البخل والجبن والعي، يفعلون ذلك رغبة في الحصول على أجر مالي، أو رفعة لقبيلتهم، أو نكاية فيمن أساء إليهم.
ومع كل هذا قالت العرب: أعذب الشعر أكذبه، ومن تأمل شعراء الأمم وجد من المبالغة في الوصف ما يذهل السامع من التشبيهات والمبالغات التي ربما تكون ممجوجة، أو تكون ظريفة يتناقلها الناس عبر مئات السنين، كما نقرأ الآن أشعار الجاهليين الذين عاشوا قبل الإسلام، ونقرأ تمردات وعبث شعراء العصرين الأموي والعباسي، بل ونردد كثيراً من مقطوعات وقصائد عمر بن أبي ربيعة، التي كان يحفظ كثيراً منها ابن عباس رضي الله عنه، مع فحش ابن أبي ربيعة أحياناً، ولا زال العلماء يتناقلون ويشرحون ويطبعون ويحفظون بكل فخر معلقات العرب، التي ملئت غزلاَ وحكمة وشجاعة وخاصة معلقة أمرؤ القيس الكندي، وهناك من يروي حديثاً منسوباً لرسول الله صلى الله عليه أنه قال عن أمرؤ القيس الشاعري الجاهلي: “قائد لواء الشعراء إلى النار”، وهذا الحديث ورد في المسند والطبراني، ولكنه حديث منكر ولا يصح عن رسول الله صلى الله عليه كما قرره علماء الحديث.
هؤلاء الشعراء والأدباء يحكون للناس تجارب الأمم وقصص الحياة بأسلوب شيق وبارع، ويمارسون المعارضة السياسية بأسلوب لافت للنظر ويسطرون ملاحم قومهم وإن كانت صغيرة حتى لتبدو وكأنها أهم أحداث الأرض، ومن تتبع مخطوطات المسلمين العرب يجد أن ثمة تراثاً أدبياً هائلاً حفظه العلماء والمؤرخون الأذكياء عبر القرون، وقد شارك في صياغة أو صناعة هذا التراث العظيم شعراء زهّاد وعّباد، وشعراء فرسان وشجعان، وشعراء صعاليك وقطاع طرق، وشعراء اعتادوا المجون والخلاعة، وشعراء عاشوا للحب والعشق البريء وشعراء كانوا ينتمون لفرق ومذاهب منحرفة، ونساء عارضن أزواجهن أو بكين على أقربائهن، وهؤلاء الشعراء من جهات شتى، فهناك من عاشوا في مكة والمدينة، وهناك من عاشوا في صحراء جزيرة العرب القاحلة، وهناك من عاش على ضفاف الأنهار مثل دجلة والفرات، وهناك من عاش في بلاد الأندلس وأفريقيا، وشرح ذلك يقتضي كتابة عشرات الصفحات، والتدليل عليه يحتاج لمجلدات، وهي حقائق لا تخفى على كل عاقل، ومع ذلك نقول بكل فخر هذا تراثنا.
.
ومحاولة حشر الأديب أو الشاعر في قارورة أو قالب واحد أسلوب غير مجد، فهناك من يعيش بشعره للدفاع عن قبيلته ومذهبه وهناك من عرفنا شعره لأجل حبيبته، وهناك من عاش شعره لأجل معارضته السياسية، وهناك نساء لم نعرف من شعرهن سوى النحيب الحزين، الذي خلده التاريخ، وهناك من لم يدخل تاريخنا الأدبي العظيم إلا بقصيدة واحدة قيلت في مناسبة معينة، فأذواق الناس تختلف، ومحاولة أطر العامة والقراء على لون واحد أو نمط معين بحجج معروفة غالباً هو ضرب من المحال، ولن يستطيع صاحبه، أو من يتبناه، أن يقاوم مشاعر البشرية ورغبتهم في التعبير عن نفوسهم وميولهم الفكرية أو السياسية أو المذهبية، والحق أن خير ما يقاوم به الأدب الساقط هو نشر ضده، كما قال نبينا لحسان بن ثابت: “أهجهم وروح القدس معك”، ومتى جعلنا روح الأديب تحلق في عوالم الحياة وتعبر عن حقيقتها وذاتها وصلنا لمدارج الذوق السليم وأحسسنا بلذة الحرف وتنعمنا بسمو المشاعر والأحاسيس.
وإذا كانت لغة العلم والفقه والصناعة والهندسة والطب لها قوانينها المحددة وشروطها المعقدة ويصعب العبث بها أو ابتذالها أو السماح بالاعتداء على أربابها، فإن لغة الشعر ضرب من رقة السحاب والضباب لا تلتزم بقانون أو تعترف بقيود، وهي إما وردة فواحة وإما رصاصة قاتلة وإما نبتة خبيثة سامة، ولله في خلقه شؤون.
.