في العدد 293بتاريخ 8/1/1436هـ الموافق 1/11/2014م نشر على صفحة تدوينات مقالة بعنوان: (موقف خادم الحرمين من الأزهر هل يستوعبه المتشنجون؟).
ولقد شدني في المقال أمران: الأول هو تسليطه الضوء على رؤية خادم الحرمين الجريئة والثاقبة في دعم دور الأزهر وإعادته إلى الواجهة العربية والعالمية.
والثاني هو دور الأزهر في حفظ أمن الأمة الفكري والاجتماعي.
وأنا أتساءل إذا كانت جامعاتنا الشرعية قامت غالبها في العقود الماضية على رجال الأزهر في سائر التخصصات المتعلقة بالشريعة، ونعلم أنه ما من دولة عربية إلا وتحتفي برجال الأزهر وتفتح أبوابها لمدارسه ومعاهده المتنوعة، ووصل الأزهر إلى أنحاء العالم شرقا وغربا برغم ما يعانيه من حروب طائفية من مخالفيه، فلماذا نجد في مجتمعنا من يرفض إنشاء مدارس للأزهر في بلادنا؟
هناك نوع من الدعاة والمتدينين يرفضون الأزهر جملة وتفصيلا من دافع طائفي وإن لم يصرحوا به، وإنما يلبسونه ثوبا آخر وهو أن المملكة لديها اكتفاء علمي في جانب الشريعة وتدريسها وفي نبرتهم نوع من الاستعلاء على الأزهر وسائر المدارس الكبرى المشهورة مثل القرويين والديوبندية وغيرها، برغم أن هذه المدارس هي الممثل الأكبر للإسلام في أنحاء العالم وهي على كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهؤلاء تصريحاتهم السابقة عن الأزهر ورجاله معروفة ومدونة فيها جميع أنواع التهم في الدين والاعتقاد، والقذف بالبدعة وسائر هذه الأحكام الطائفية.
وطائفة أخرى لا تمانع من وجود مدارس للأزهر الشريف في المملكة ولكنها تريد الوصاية عليه من حيث المنهج العقدي خصوصا وهو أمر مرفوض من الأزهر، لأن الأزهر هو الممثل الأول في العالم لعقيدة أهل السنة والجماعة، والقدح فيه قدح في عقيدة الغالبية العظمى من المسلمين وهي العقيدة الأشعرية التي أشار إليها الكاتب في مقاله، ومن يرى الأزهر مبتدعا فلم يبق من أهل السنة إلا هو ومن على شاكلته.
من هنا فلا يصح أن توضع وصاية عقدية على الأزهر وهو الذي يحق له الإشراف على تصحيح عقائد الناس وتهذيبها، لاسيما وهو الذي يقف في وجه التكفير والأحزاب السياسية النفعية، ويقف لجمع الأمة والدعوة إلى الوحدة والسلام وهو ما لفت نظر خادم الحرمين حفظه الله إلى دعم الأزهر.
لقد سمحنا للمدارس العالمية بأن تدرس أبناءنا المناهج العالمية، وابتعثنا أبناءنا إلى دول العالم ليدرسوا علوما هي موجودة في بلادنا كعلم التاريخ والشريعة والاجتماع وغيرها، ولم يكن لنا وصاية على ما يتعلمون ولا من يعلمهم في الخارج، فهل هو أمر مبرر أن نمنع مدارس الأزهر أن تشرق على بلادنا لتدفع عجلة العلم الديني إلى الأمام بكل ما فيه من اعتدال وعمق وتأصيل واتباع لسلف هذه الأمة؟
ومن لم يقتنع بقولي فليقرأ هذه الطرفة:
المتدينون المصريون الذين يكرهون الأزهر ومرجعياتهم معروفة، يأتي كثير منهم إلى السعودية ويشكلون محاضن للمصريين المتدينين القادمين من مصر من خلال العلاقات الاجتماعية والزمالة وأمثال ذلك، ولقد استطاعوا تحويل عدد من شباب الأزهر الذين جاؤوا إلى بلادنا فيما بعد وتغيير عقائدهم من الاعتدال إلى الغلو بكافة الإغراءات، فتحولوا إلى الطرق الأخرى التي تؤمن بالتكفير والعنف وكراهية المسلمين وقد عرفت كثيرا منهم.
فوجود الأزهر في السعودية يحفظ مصر من انحراف أبنائها من تلك التوجهات الضالة، ويفتح المجال لأبناء المصريين المقيمين في السعودية وغيرهم للدراسة في معاهده ومدارسه، بالإضافة إلى ما ذكرت من كون الأزهر رافدا علميا كبيرا في بلادنا، لاسيما وأننا بحاجة إلى تنويع المدارس الدينية في المملكة لنصنع مجتمعا معتدلا متنوعا تعدديا في فكره ونظرته إلى هذا الدين.
وفي الختام أقدم الشكر الجزيل لخادم الحرمين حفظه الله على هذا الفكر النير والنظرة الثاقبة التي لا يزال كثير من العلماء متأخرين جدا عن استيعابها كما ذكر كاتب المقال مشكورا.

