احتفلت الصين في الأول من أكتوبر الماضي، بالذكرى 65 لتأسيسها، إذ حققت جمهورية الصين الشعبية منذ 1949 ازدهارا على المستوى الاقتصادي والسياسي والتكنولوجي.
وبدأت الصين سياسة الانفتاح من الاقتصاد أولا، على العكس مما حدث في الاتحاد السوفييتي (السابق) الذي بدأ سياسة الانفتاح من السياسة وليس من الاقتصاد، ناهيك بأن هذا الانفتاح الذي بدأ في 1978، تم بشكل علمي مدروس ومنظّم ووفق خطط زمنية محددة وصارمة، وهو ما أمّن للصين اليوم الانتقال بسهولة إلى المرحلة الثانية من الانفتاح السياسي.
إنّ الحضارة الصينيّة، كما يقول المستشرق الصيني شريف سي تونج، لم تنحصر في الأراضي الصينيّة فحسب بل انتشرت في دول شرق القارة الآسيويّة كاليابان وكوريا وفيتنام وغيرها من الدول لتسهم في تشكيل حضارة شرق آسيا.
وظلّت الصين تمثّل مركز دائرة هذه الحضارة منذ القرن الرابع قبل الميلاد إلى أواسط القرن الـ19 الميلادي.
وقد ورد في كتاب "الجدول الزمنيّ للاختراعات العلميّة الكبرى في العالم" أنّ مجموع الاختراعات والإنجازات العلميّة الكبرى المهمّة في الفترة من القرن السادس قبل الميلاد إلى القرن الـ11 الميلادي بلغت 231 اختراعاً، كان نصيب الصين منها 135 اختراعاً، أي بنسبة قدرها 58,4%.
ومنذ بداية القرن الـ11 الميلادي حتّى الـ16 نجد أنّ مجموع الاختراعات والإنجازات العلميّة الكبرى المهمّة في العالم بلغت 67 اختراعاً بلغ نصيب الصين منها 38 اختراعاً، أي بنسبة قدرها 54%، ناهيك بأن الاختراعات الأربع الكبرى في الصين (صناعة الورق، والطباعة، والبارود، والبوصلة) قد لعبت دوراً ثورياً طليعيّاً ومهّدت لبداية عهد حضاريّ حديث وملهم على الدوام.
الدرس الذي يجب أن نستوعبه كعرب اليوم من الصين وتاريخها الحضاري، وهي تحتفل بمرور 65 عاما على تأسيس جمهوريتها، هو بالضبط ما تنبه إليه أوجسطين كورنو: الزمن العميق للصين، فلو استسلم كغيره من فلاسفة التاريخ المعاصرين له في القرن الـ19 مثل باخوفن وتوكفيل لرأى في الصين دولة فاشلة أو رخوة أو منهارة.
قبل أيام نشرت صحيفة الجارديان البريطانية موضوعا مهما تذكر فيه العرب بالإنجازات العلمية الرائعة التي قدموها للعالم والتي كانت – وما زالت سببا – في تقدمه ورقيه ونشرت سبع صور لمخطوطات عربية شهيرة في مختلف مجالات العلم، في ألف عام من القرن التاسع إلى القرن الـ19، وكأن الجارديان تقول لنا وسط كل هذه المآسي والنوائب في الشرق الأوسط انتبهوا إلى "الزمن العميق".

 

 

كورنو وحدس فلسفة التاريخ

يبدو أن ما يعرف اليوم بازدهار الصين المذهل يعود إلى الزمن العميق وليس إلى عام 1949 أو عام 1978، أما المياه الجوفية المحركة لتاريخ الصين الحديث فقد رصدها مبكرا الفيلسوف والاقتصادي الفرنسي أوجسطين كورنو (1801 –1877)، أحد الآباء المؤسسين لما بعد الحداثة، الذي قدم أول رؤية متكاملة ومبتكرة للعالم في عام 1861وذلك في كتابه العلامة: “مقدمة في الأفكار الأساسية في العلوم والتاريخ”، الذي قدم تقسيما مغايرا للعالم تسوده الصين في الشرق، والولايات المتحدة في الغرب.
وهذا التقسيم لم يكن تقسيما استراتيجيا أو اقتصاديا للقوى، بل أكثر من هذا، إنه يستند إلي تاريخ المدنيات وفلسفة التاريخ والحضارة.
ورغم أن ثورة أكتوبر عام1917 في روسيا قد فوتت الفرصة على حدس كورنو، فإن أفكاره لم تمت ولكنها عاشت في الظل طيلة هذه الفترة لتنهض كالأرواح المستحضرة اليوم، وبقوة.
فقد توقع كورنو أفول الإمبراطورية الروسية سريعا (وهو ما حدث بالفعل عندما انهار الاتحاد السوفيتي السابق تماما في ديسمبر عام1991)، وكانت حجته – التي لم يتنبه إليها أحد – أن هذه الإمبراطورية تحوي مزيجا مختلطا من السمات الآسيوية والأوروبية، ومن ثم فهي تتجه نحو النموذج الغربي وليس الشرقي.
والشيء نفسه بالنسبة للحضارة المصرية القديمة، والتي رأي أنها استوعبت تماما في الحضارة الغربية.
والنموذج الغربي، حسب كورنو، يطبع كل شيء بطابعه، ويستوعبه بالكامل، حتي وإن حمل بعض السمات الآسيوية (الشرقية)، وهو ما يختلف جذريا في حال الصين.
وتبرز خصوصية الصين ككتلة واحدة منسجمة تحمل سمات شرقية أصيلة، إذ تبني وتشتق قيمها وتقاليدها ونظمها من باطنها، فهي النموذج القائم بذاته في الشرق منذ الماضي السحيق.
واللافت للنظر في رؤية كورنو المستقبلية للصين هو تناقضها الصارخ مع واقع الصين وقتئذ، إذ تزامن صدور كتابه العلامة عام 1861 مع بداية فترة الاضمحلال الصيني‏ (1860‏ - 1894)‏، والتي شهدت خلالها مزيدا من المعاهدات غير المتكافئة التي أعقبت حرب الأفيون عام ‏1842، تلك المعاهدات التي أجبرت الصين على فتح موانئها الشرقية في كانتون وشنجهاي وغيرها للتجارة الخارجية، والتي أطلق عليها موانئ المعاهدات.
لقد تأسست رؤية كورنو على “فلسفة التاريخ”، أو ما يعرف بالزمن العميق وليس على الزمن الآني المرتبط بالتقلبات السياسية وأمواج الحياة اليومية، ذلك أن المدنية كان لها منذ أقدم العصور مسرحان، أحدهما في الشرق والآخر في الغرب، ففي العصر الذي ظهر فيه لاو – تسي وكونفشيوس في الصين، ظهر طاليس وفيثاغورس في اليونان، وبعد ذلك بخمسة قرون وجدت إمبراطوريتان فسيحتان تأسس عليهما حكم مطلق في شرق وغرب العالم القديم، هما الإمبراطورية الصينية في الشرق، والرومانية في الغرب.. هذا التزامن لم يكن وليد الصدفة.

 

 

إرشادات دنج شياو بينج

من أقوال زعيم الانفتاح الاقتصادي رئيس الحزب الشيوعي الصيني السابق دنغ شياو بينغ:

  • - إننا نعبر النهر بهدوء وحذر، وحين نعبر فإننا نلمس الحصى داخل الماء.
  • - لا يهمنا أبقينا في طريق اشتراكي أم سرنا في طريق رأسمالي، بل يهمنا تطوير قوة، لإنتاج ورفع مستوى معيشة أبنائنا، وبناء الصين بناء قويا وحديثا.
  • - لا يهمنا إن كان القط أبيض أم أسود، بل يهمنا في المحصلة الأخيرة أن يصطاد الفئران أنى كانت.
  • - لا يصح أن تعني الاشتراكية التخلف والفقر.
  • - إذا فتحنا النوافذ، سيدخل الهواء الصحي والملوث معا،
  • - ولا نستطيع أن نمنع الهواء الملوث من دخول منازلنا إذا فتحنا أبوابها، ومن غير المعقول أن نغلق أبوابنا ونوافذنا عندها نختنق ونتخلف معرفيا، وكذلك سياسة الانفتاح فهي مثل فيضان النهر الجارف، ومع الفيضان تأتي دائما جثث الحيوانات النافقة.