وأخيرا حسم مجلس الشورى أمره في إقرار الصورة التعبيرية التي يرحب بها بضيوفه، وأقرَّ بالإجماع – إلا اثنين، وفي رواية ثلاثة - أن التصفيق ممارسة مشروعة ولا غبار عليها من الناحية الشرعية، وبذلك انتهى جدل خفي استمر أعواما حول قضية هل نصفق أم لا نصفق؟

وبارك المتخصصون في الشريعة من أعضاء المجلس هذه الخطوة، واستأنسوا برأي عالِمَين جليلين - رحمهما الله تعالى- يبيح تلك الممارسة.
وما يثير الإعجاب في هذا الخبر، هو الطريقة الديمقراطية التي أُدير بها النقاش حول هذا الموضوع، واستحقاقه أن يطرح للتصويت. صحيح أنه استمر جدليا مسكوتا عنه أعواما عديدة وسنوات مديدة، ولكن العبرة بالخواتيم، فقد أُقرَّ أخيرا، ولله الحمد والمنة. أما ما يثير الاستغراب في هذا الخبر- الذي لا أظنه يهم المواطنين كثيرا- فهو الطريقة التي صُدِّر بها إعلاميا، وحماس بعض الأعضاء للتفصيل في عرض حكاية التصفيق، والمبررات المنطقية التي ساقوها؛ تأكيدا لأصالة هذا التقليد العالمي الشكلي والرمزي، لأن المواطن ينتظر من المجلس ما هو أهمّ وأوجب، وأكثر إلحاحا وارتباطا به وبقضاياه، مما يعلمه ويعيه أعضاء المجلس المحترمون.
وأما ما يثير التساؤل فهو ظاهرة توقف هيئة مؤسسية حكومية موقرة كالمجلس عند أمر شكلي، وجرِّه إلى حقل المباح أو الممنوع شرعا، واستدعاء الأقوال والآراء الفقهية حوله. ومثله فعلت هيئة مكافحة الفساد في استصدارها فتوى بتحريم الإجازات المرضية غير النظامية، وعلى شاكلتهما قد تذهب مؤسسات أخرى، تحاول إقرار أنظمة وسنّ تنظيمات وإجراءات إدارية محضة، بتنزيل حكم شرعي ما، أو فتوى عليها، أو استدعائهما لها، أو حمايتها وإقناع الناس بها وشرعنتها من خلالهما، بالرغم من أنها أمور معاش دنيوي، تسعها دائرة المباح الأوسع في مبادئ ديننا الحنيف، وتقتضيها مصلحة العِباد، وتبيحها وتصونها سلامة المقاصد والمآلات المحققة لسعادة وأمان المجتمع، على قاعدة (أينما كانت المصلحة فثم شرع الله). نعم، إن هذا الظاهرة أصَّلت لها الصحوة غير المجيدة، وحاكت مشاهدها يوم كان جمهور شعرائها يبكِّتون المصفقين، وينكرون عليهم، ويستنكفون التصفيق بدعوى حرمته، ويستبدلونه بالتكبير، بعد كل بيت يصدح به شعراء الصحوة في زهوة عصرها البائد، ومن ثمَّ سكَّ فقهاؤها لها هذا الحكم، واستتبعوه بما يشيع تجليات أخرى للظاهرة، فأضحى لكل ممارسة فتوى، وحولها فريقان متنابذان متخاصمان حد العداء، ثم استفحلت واستشرت وباتت تحكم وتوجِّه أنشطة بعض المؤسسات، ومن شأنها جرّ الناس إلى الاقتداء والإفراط بهذا المسلك غير السليم، والوقوع في شرك تعارض الفتاوى وتضادها، ناهيك عن ارتهان المجتمع – أو سواده الأعظم ودهمائه - لهذه الظاهرة وتسليمه بمقتضياتها التي حوَّلت حياة الناس إلى أصفاد من المحظورات والمحرمات والالتباسات، وليس أوهاها مثالا قول أحدهم: يا شيخ هل يجوز أن نقول كل عام وأنتم بخير، أم لا يجوز؟ وهل يجوز أكل الفصفص أم لا يجوز؟!...إلخ. في حين أن للإفتاء مؤسسته ورجاله من العلماء الأجلاء، والباحثين المتخصصين، ولكن المشكلة تكمن في بعض الوعاظ والمتنطعين وطلاَّب الشهرة والممسوسين بدائها وإغوائها، ممن لا يعنيهم إلى أي منقلب ينقلب الناس. وهم وحدهم المستفيدون من استشراء هذه الظاهرة الضاربة في أعماق الذهن الجمعي، التي تقتضي التوقف عندها وفحصها وتصحيحها، ومراجعة أسباب الاستعداد النفسي لها والتوافق عليها. ومن أوجه غرابتها وطرافتها وعبثيتها أنها تستسهل التقصير في أمور كثيرة، هي في العمق من آداب الدين وتعاليمه وجوهره المسلكي.
وطالما ابتدع المجلس العناية بمثل هذه القضايا البسيطة والشكلية، وأولاها هذا الاهتمام، فليته يبادر إلى دراسة إطارها الأوسع، المتمثِّل في هذه الظاهرة غير الشكلية وغير البسيطة. وليته يعهد إلى اللجنة ذات الاختصاص بمثلها، دراستها وقياس مخرجاتها، وآثارها، وتقييم نتائجها، وإن بنماذج قياسية منها، ولا بأس لو استعان بعلماء النفس والاجتماع، وسيكولوجية الجماهير، لمقاربتها وتحليلها من جوانبها كافة، وإبداء الرأي الشوري حولها، وسنصفِّق له حينها، إجلالا وتقديرا لهذه المبادرة، ونحن في كل آن له مقدِّرون ومصفِّقون.