مصطلح (المثقف) مصطلح طارئ على الحضارة العربية والإسلامية، ولم يوجد مقابل له في حضارتنا فقد وجد (الفيلسوف، والمؤرخ، والأديب، والقصاص، والواعظ، والمتكلم) أما هذا المصطلح فهو نتاج الحضارة الغربية؛ إذ ولد في سياق تطور تلك الحضارة، وانتقل إلينا عبر الترجمة من لغات تلك الحضارة، ومن هنا تولدت إشكالية في مفهوم هذا المصطلح لدى المتلقي العربي، وما المصطلح المقابل له في الحضارة الإسلامية؟ وهذا ما جعل كبار المثقفين العرب يختلفون - إلى حد التناقض - في تحديد مفهوم هذا المصطلح؛ فالجابري دعا إلى تَـبْـيِـئَةِ مثل هذا المصطلح، وخطا خطوة في هذا المجال؛ فعدَّ كل من كان يحمل رأيا مختلفا وبشر به في مقابل رأي السلطة في الحضارة الإسلامية مثقفا، فعدَّ من نماذج المثقف في الحضارة الإسلامية الإمام أحمد بن حنبل، وابن رشد، وفي المقابل رفض إدوارد سعيد إدخال المثقف الديني في عداد المثقفين، وطرح مقولته المشهورة: (المثقف كائن علماني)، وتوسط آخرون بإضافة وصف (ديني) للمثقف الذي يعبِّر ثقافيا من داخل منظومة دينية، ووِفْقَ مفهوم إدوارد سعيد للمثقف كما طرحه في كتابه (صور المثقف)؛ وهو أن المثقف هو المنخرط بالشؤون العامة في سبيل القيم الإنسانية كالعدل والحرية والكرامة والعدالة، ويكون ممثلا لكل فئات الشعب بغض النظر عن أديانهم أو طوائفهم أو أعراقهم فإنه لا يكاد يوجد مثقفٌ في عالمنا العربي، بل كل المثقفين في واقعنا العربي مثقفون وظيفيون نذروا حياتهم لتأدية وظيفة يتطلَّبها منهم آخرون؛ وإذا كان من المتعارف عليه في أوساط المثقفين في العالم العربي وجود مثقف سلطة مهمته تلميع السلطة والدفاع عنها، فثمة أصناف أخرى من المثقفين الوظيفيين لم تُـجْرَ حولهم دراسات نقدية؛ كمثقف الطائفة الدينية أو المذهب الديني، ومثقف الحزب أو التنظيم، ومثقف التيار الفكري، وكل مثقف من هذه الأصناف يقوم بوظيفة المحاماة عن الثقافة الجمعية لمن ينتمي إليه من هذه المجموعات، وفي علم الاجتماع البشري تسعى المجموعات المغلقة كالطوائف والمذاهب الدينية والأحزاب والتنظيمات إلى حماية نفسها بترقية ما تنتجه من رؤى وأفكار إلى مرتبة المقدس الذي لا يمس لدى المنتمين إليها، وتُعْنَى بإنتاج دعاة مهمتهم التبشير برؤاها والدفاع عنها، ويتحول أولئك الدعاة إلى رموز ذوي سلطة معرفية على المنتمين إلى تلك المجموعات، ومن هنا فإن أكبر التحديات التي يواجهها المثقف أن يخرج عن أُطُرِ تلك المجموعات، ويمارس النقد لذلك المنتج الفكري البشري الذي تؤمن به تلك الجماعات التي ينتمي إليها؛ لأنه يتحول بنظرها إلى متمرد مغضوب عليه، يُهدِّدُ وجود المذهب أو الطائفة أو الحزب أو التنظيم، والمثقف الذي يحجم عن مثل هذا النقد يفعل ذلك خوفا وطمعا، خوفا من غضب سلطة الطائفة أو المذهب أو الحزب، وطمعا بأن يتحول هو إلى جزء من تلك السلطة المعرفية لتلك الجماعات.
هذه السطوة التي تمارسها تلك المنظومات ضد كل مثقف منتمٍ إليها يقوم بنقد ذاتي داخل المنظومة أسهم في زيادة الانغلاق والتخندق؛ فإن الوضع الفكري لدينا في العالم العربي بجميع طوائفه الدينية، ومذاهبه الدينية، وتياراته الفكرية الإسلامية والليبرالية والقومية يعاني من الوقوع في فخ الانغلاق على نفسه والتخندق داخل دائرة الرأي الواحد، ورفض الاعتراف بحق المخالف له بالوجود على الساحة، وقد كان الأمل أن يسهم الانفتاح الإعلامي المعاصر بخلق مثقفين يمارسون النقد الذاتي لمنظوماتهم الفكرية، ويبشرون بثقافة متسامحة مع المغاير لمنظوماتهم، لكن ما يثير الغرابة أن الانفتاح الإعلامي ساهم في تكريس الانغلاق؛ إذ عمدت الطوائف والمذاهب والأحزاب والتيارات الفكرية لتأسيس منابر إعلامية خاصة (قنوات تلفزيونية، ومواقع انترنت) مهمتها التبشير بأفكارها، والتجييش والتعبئة لجمهورها، وترميز كل من يتفق معها، وشيطنة كل من يختلف معها، والهجوم بشراسة على كل من يتجرأ بتوجيه نقد لها، حتى المواقع المؤسسة للأفراد كالفيس بوك وتويتر التي كان من المفترض أن يعبر المثقف من خلالها برؤاه النقدية تحولت إلى ساحات صراع شرس بين الطوائف والمذاهب والأحزاب والتيارات، وأصبحت منابر لترميز مثقفي تلك المجموعات؛ فكل طائفة أو حزب أو تيار يحشد الجمهور ويجيش الأتباع لمتابعة رموزه المنافحين عنه، وخفتت في تلك المواقع أصوات من يملك رؤية نقدية؛ إذ غمرها طوفان الضجيج المنتمي لتلك الجماعات.