إنّ الإنسان هو أسطورة كل فعل على هذه الأرض، لكنه خائف ومضطرب، ما إن يتجاوز المعاناة التي ينتصر فيها على خوفه، حتى يجد نفسه عارياً خجلاً. إنّهُ وحيد وحر ومع هذا فهو عاجز وخائف. والحرية المكتسبة الجديدة تبدو كلعنة. إنّهُ حرّ من القيد، ولكنّه ليس حرّا لكي يتحكم في نفسه ويحقق فرديته. هذا لأنه علموه كل شيء إلا أن يكون حراً. نعم. علّمتكَ الكُتُب كيف تتصرّف حيالَ كلّ شيء، ولكنّها لم تعلّمكَ كيف تقف على رجليك بدون عكّازات. لم تقل لكَ كيف تقفز إلى الفعل الحرّ ولا تخشاه. بل ربطتكَ إلى الميناء حتّى أصبحتَ ناقلةً ضخمة عالقة في المياه الضّحلة، تسترُ عُريَك الفاضح بأوهام لا تنتهي، وتستشهد بمئات الكُتب التي قرأتها حتّى سلبتْكَ من نفسك.
علمتك الكتب كيف تتصرف حيال أي شيء، كيف تدير الشركات وتكسب الأموال وتحسب الخسارة والربح، وأين تقع قارتك وما هي الصناعات الأساسية في موطنك، وما إعراب الاسم بعد حتى، وما المكونات الخفية في اللون الأبيض، وأين تذهب الأمواج الصوتية وفوق الصوتية، وما هي مضار التدخين وفوائد البصل والماء البارد على الريق، وكيف يتكون المطر وينهمر من الغيوم، وكيف تبر بوالديك، وما الفرق الجوهري بين آي فون وجالاكسي نوت من حيث التجاوب.. علمتك أن البواخر تغرق في المياه الضحلة، وأنه يتم توسيع الموانئ وتعميقها لأجل هذا الغرض. ولكنها لم تعلمك كيف تقف على رجليك بدون عكازات. فمن أنت الآن؟