كان متوثّباً دائمًا للقفز ـ «بالزّانة» أو بدونها ـ إلى أي مكان قد قضى الله بقدومه إليه..

للناس آثار أقدام وله آثار أصابع.. جسّ الأرض وحسْحسها وفصْفصها، فتفشّت مواهبه بسرعة انتشار «أبو الرُّكب» في مقاعد وكراعين السّهارى! 
هو، والحق يقال، محدّث بارع، لا يجف له ريق ولا ينقطع له رحيق.. يظل فمه مفتوحاً على مصراعيه، مثل دكّان «عم عبد الباري»، الذي لم يكن ليُغلق حتى ينام آخر زبون في الحارة، حرصاً منه ـ يرحمه الله ـ على حاجات الناس وعلى ما تيسر أو تعسّر من «فلوسهم». 
كانت نفس المذكور آنفًا حلوة.. تدعوه إلى الغداء فيظل إلى العشاء.. لا يفتر عن الكلام ببطاريته التي تُغطي الفجاج بلا شبكة ولا أبراج! 
كان ـ يحفظه الله ـ حركياً، يُطير بيده الكريمة ـ مع كل «تمطيعة» ـ بأنف أو عين أو «أنف وثلاث عيون».. حتى إذا ما داهمك النعاس ودواعي الموتة الصغرى التي يحتاجها كل ابن أُمٍ وإن طالت سلامته، وأريته عيونك الوارمة من قلة النوم أراك بدوره «العين الحمرا» التي غادرها سواد الليل وبياض النهار، تشع ببريق «ساهر ولا كلمة صابر ولا رحمة»، طالباً «تخت السّمر»، رافعاً لواء: «فما أطال النّوم عمراً ولا قصّر في الأعمار طول السّهر»! 
لن يسعك، يا أيها الديك الذي تهدّل من قلة النوم عُرفه، إلّا أن تترك له الجمل بما حمل، وتفر بدجاجتك وأفراخها لتكمل النوم في شقة مفروشة أو حتى على البلاط.. أمّا إن كنت في موسم السياحة الداخلية ولم تجد أرضاً تُقلّك أو سقفاً يُظلّك، فما عليك إلا أن تلفّ بسيارتك رافعاً شعار نجاة الصغيرة: «دوّارين في الشوارع.. دوّارين في الحارات»!