تعد أحداث العنف المتتالية التي ظل يشهدها لبنان خلال الأسابيع الماضية والتي أوقعت العديد من القتلى والمصابين، بمثابة “صب الزيت” على نار الخلافات السياسية القائمة. وبالنظر إلى طبيعة تطورات هذه الأحداث وسرعة وتيرتها، فإن خطورة ما يجري ينذر بدخول البلاد فصلا جديدا يخشى معه دخول الجيش في “اللعبة” القائمة بعد أن ظل طيلة الفترة الماضية يقف على الحياد. وما من شك فيما لو تحقق مثل هذا السيناريو أنه سيدفع بالبلاد إلى مصير مجهول، ربما يفوق ما كان قائما إبان الحرب الأهلية في السبعينات.
إن المواجهات الدامية التي جرت في منطقة طرابلس بشمال البلاد، بين الجيش وفئة من المتطرفين، تُعدّ محصلة طبيعية لتراكمات السياسة وإفرازات الحرب في سوريا المجاورة، وتورط حزب الله اللبناني في الصراع لصالح نظام بشار الأسد. فالأحداث الأخيرة في عرسال وفي غيرها من المناطق بما فيها الضاحية الجنوبية ببيروت، لا تخرج عن كونها نتاجا طبيعيا لمغامرات حزب الله في الداخل والخارج.
ما يجري في الساحة اللبنانية يدق ناقوس الخطر لكل أطراف اللعبة السياسية، إن البلاد في طريقها للدخول في عنق الزجاجة من جديد، في ظل التعنت القائم والإصرار على “وضع العربة أمام الحصان”، وهي الظروف التي وفرت المناخ لسلسلة الانفلاتات الأمنية الأخيرة.
لقد آن الأوان أن يتحرك الجميع وبكل حزم لإعادة الأمور إلى نصابها. كما أن المطلوب أكثر من أي وقت مضى أن تخرج “الأكثرية الصامتة” للشعب اللبناني، والتي تتمثل في منظمات المجتمع المدني والفعاليات الشعبية ومجاميع المستقلين، عن صمتها وأن تقوم بدورها الوطني المطلوب للمساهمة في إنقاذ الوطن في هذه المرحلة الدقيقة التي يمر بها. كما أن من المهم أن يسعى اللبنانيون إلى تغليب صوت العقل وعدم استجلاب المشاكل من دول الجوار والنأي عن القيام بأدوار أو اتخاذ مواقف لا تخدم المصلحة الوطنية، وكذلك التأكيد على وقوف القوى السياسية إلى جانب الجيش ودعمها له بالكلمة والموقف، لأن المؤسسة العسكرية تمثل كل فئات الشعب، وتشكل دعامة واستقرارا للجميع.

