ألزمت إدارة أمن الطرق مؤخراً أصحاب الإبل بوضع أطواق فوسفورية على أعناقها وأرجلها، وذلك لتظهر ليلاً للسائقين لمحاولة تفاديها وتجنب الحوادث المميتة التي تحدث بين الحين والآخر بسببها. كما حددت دفع غرامة مائة ألف ريال على صاحب الإبل التي يثبت وجودها في مكان ما على الطرقات ولم توجد هذه الأطواق عليها. كما قد صدر كذلك قرار هيئة كبار العلماء رقم 111 في 2/11/1403هـ بأن إهمال البهائم المتسببة في الحوادث على الطرقات «آثم» وفُسرت «آثم» في أنظمة المرور بأنه مذنب ويتحمل كامل المسؤولية وهذه نتيجة جميلة تقودنا إلى نظرية: المتسبب في الحوادث مذنب ويتحمل كامل المسؤولية.

ولكن دعونا نرى أسباباً أخرى للحوادث ونحدد المتسبب فيها: فقد حدثت في الآونة الأخيرة بعض الحوادث المؤسفة جراء الأخطاء الهندسية في الطرقات بالمملكة ومنها ما حدث في طرقات المدينة المنورة (صحيفة المدينة 29/12/1435هـ ص 7) تحت عنوان: «الأخطاء الهندسية في طرقات المدينة تضاعف الحوادث والمخالفات المرورية» وحتماً فإن هذه الأخطاء الهندسية هي أصلاً أخطاء في التصميم في الخرائط الهندسية التي وضعت وتتحمل مسؤوليتها الجهات المصممة والمنفذة للمشاريع، وهي: أمانات المدن للطرقات الداخلية ووزارة النقل للطرق السريعة بين المدن.. فهذه المشاريع لو صممت ونفذت بطريقة صحيحة لما أدى ذلك إلى تلك الحوادث. بل إن بعضا من تلك الأخطاء الهندسية تسببت في مخالفات للسير فهي تربك السائقين وتجعلهم يقعون في الخطأ مما يتسبب في أضرار مالية لسياراتهم أو ربما الوقوع بمصيدة ساهر أو رجل المرور فيدفعون المخالفة... بل ربما تصل إلى أن تكون سببا في عدم قدرة رجال الأمن على تحديد نسبة الخطأ في الحوادث.
كما أن بعضا من تلك الأخطاء الهندسية أدت إلى حوادث قاتلة - وبحسب شهود عيان وحسب مقاطع في اليوتوب - حدثت في مكة المكرمة حوادث مؤسفة على بعض الكباري والجسور بسبب أخطاء في التصميم وعدم توفر إرشادات وتخطيط دقيق واضح للسائق أو أضواء فوسفورية واضحة مما أدى إلى الكثير من الحوادث التي راح ضحيتها شباب في عمر الزهور..
وفي موسم الحج تسبب وجود أخطاء هندسية على الدائري الثالث بمكة المكرمة في اختناقات مرورية وازدحام، أعجزت مرتاديه عن الخروج من مأزق الزحام والفوضى- (صحيفة مكة 1/1/1436هـ ص7)، وذلك بسبب ضيق المخارج على الكباري بالدائري الثالث، حسب مدير إدارة النقل بمكة المكرمة، والمصيبة أنه ذكر أن إمكانية معالجتها غير واردة، لما يترتب عليها من نزع لملكيات المواطنين لتنفيذ وتوسعة المخارج، ويقول: «الوزارة ستضطر إلى دفع تعويضات ضخمة لإصلاح ذلك..!!» سبحان الله تبقى المشكلة كما هي وبدون حل، وهذا من الطرق المهمة جداً في أوقات الذروة في الحج وتعيق الحافلات ويبقى حجاج بيت الله الحرام لعدة ساعات في الاختناقات المرورية..!! ولكن من المتسبب بهذا الخلل؟؟ ومن المسؤول عن الأخطاء الهندسية الجسيمة في التصميم والتنفيذ؟ فهل كانت الأخطاء مقصودة تقوم على «ناولني وأقطع لك»، وهذه بؤرة من بؤر الفساد التي يجب مكافحتها، أم كانت أخطاء بشرية لأشخاص يفتقدون أدنى مقومات الكفاءة والمهارة والخبرة في وضع التصاميم، وأين المنفذون للمشاريع؟؟ لماذا لم يعترضوا على الأخطاء في التصاميم وفي الخرائط؟؟ أين إدارة المرور من هذا كله؟؟
وفي الحقيقة أزور كل عام (مدينة كنساس)، لوجود الابن للدراسة هناك، وكثيراً ما أجلس في السيارة أتأمل روعة تصميم الشوارع والطرقات فيها، وهذا ينطبق على معظم المدن في الولايات المتحدة الأمريكية، وللمعلومية فإن مدينة كنساس ليست مدينة صغيرة بل هي ربما أكبر من جدة بعدة مرات، ولكن مقارنة بنيويورك أو واشنطن فهي أصغر حجماً وأقل تعداداً للسكان، ولكن روعة التصاميم للشوارع ودقة الإرشادات المرسومة على الأرض في الشوارع والطرق السريعة، وفي إشارات المرور المعلقة والإرشادات على جانبي الطريق تجعل حتى الأجنبي الذي لم يسلك ذلك الطريق قط يصل بسهولة وأمان.. ونادراً جداً ما ترى ازدحاماً في الطرقات.. بل نادراً ما تشاهد دوريات الأمن ورجال المرور في الشوارع، وربما يشاهدون في التلفزيون حينما يكون هناك حادث يسلط الضوء عليه… لأن الخطة المرورية واضحة والإرشادات دقيقة جداً، والبشر على مستوى من الأخلاق والمسؤولية في القيادة، فلا مجال لرجال المرور، والحوادث المرورية 90% منها تقع تحت تأثير المخدر أو الشراب.
وحينما أطلق العنان لنفسي وأمشي في الطرقات أتأمل مجاري السيول وعلى بعد كل عشرة أمتار في الطريق يميناً ويساراً أجد فتحة لتصريف السيول التي تأخذ طريقها تحت الأرض عبر البنى التحتية بل حتى بمحاذاة الطرقات الجانبية يوجد مجرى تسير فيه الأمطار بحيث لا تبقى قطرة ماء في ممرات المنازل أو على سطح الإسفلت، يعتصر الألم قلبي، وأندب حظ وطني المتعثر وهو الذي يدفع المليارات لمشاريع الطرق وأمانات المدن، وبعدها سيول تغرق البلد وتطال الحجر والبشر، وحوادث سيارات تخطف الأبرياء وتوقع آخرين بمخالفات.
ولنعد إلى غرامة الـ(100.000 ريال) لمن لم يضع أطواقاً على أعناق الإبل، ونظرية «المتسبب في الحوادث مذنب ويتحمل المسؤولية»، لنرى كم مسؤول يجب أن يتحمل الملايين من الريالات؟؟