حين تتحول كرة القدم مع كل هذا الزخم الإعلامي والمجتمعي إلى نقطة تجاذب وافتراق وشحن عاطفي، فنحن بلا شك نسير في الطريق الخطأ، ونمارس الفعل الخطأ، وسنصل إلى النهاية الخطأ، ونحن هنا تحديدا نكشف عن حجم الفراغ الذي نعيشه، والتشتت النفسي الذي نهرب منه، ونهدم أظهر وأخطر قضية في وعي المجتمعات الناهضة وهي قضية وجود أولويات يجب احترامها من عموم المجتمع، وأن اختلالها سيؤدي إلى اضطراب بوصلة واتجاه السفينة، لتبحر بعيدا عن أهم قضاياها فتخسر بذلك جهود أبنائها وطاقات أفرادها وتهدر أوقاتا مهمة في عمر النهضة والرقي.

واللافت أن الغرب وهم من ابتكر هذه اللعبة وبرغم وجود مجموعات تشجيعية قد بلغت الغاية في التعصب في بلدانهم لكن الأمر عندهم منحصر في إطار معين في المجتمع بمعنى أنه لا يصل إلى أن يكون حديث وتجاذب شرائح المجتمع كلها، والأمر لدى الأمريكيين والأستراليين أوضح بكثير وأبعد عن صورة التعصب الأوروبي المحدود.
وأما ما بتنا نراه عندنا بمضي الوقت، فهو يعد أمرا غريبا تماما بالنظر للخلفية الشرعية لدينا والتي تمنع أسباب التفرق والتنازع بكل صورها من تفاخر وقدح في الأنساب وسباب وتدابر وغيرها، وتأمر بكل ما يفضي إلى المودة من صلة وتراحم وسلام وإحسان وغيرها، وهو غريب أيضا بالنظر للتركيبة الاجتماعية التي تقوم عندنا على وجود صلات أسرية وقبلية ممتدة بين أفراد المجتمع هي من أقوى الأواصر، وغريبا كذلك بالنظر إلى أن لدينا من الملفات العالقة والمفتوحة ما يقتضي الالتفات له وتقديمه على مثل هذه القضية الهامشية في اهتماماتنا وحواراتنا.
وهنا سيحضر السؤال الملح وهو من وراء ذلك وما أسبابه، وهل لأحد مصلحة في تغذية هذا التعصب وتأجيجه، ربما كان ثمة مجال للحديث حول هذه الأسئلة وقد يقود ذلك إلى الوقوف على مسؤولية بعض الجهات والأطراف، وقد يفتح بدوره بابا لأسئلة أخرى، ولكن الأهم من ذلك والأخطر هو بكل أسف قابلية المجتمع لهذا القدر الخطير من التوجيه والتسطيح واستجابته لذلك.
كيف وصل الوعي المجتمعي إلى تقبل هذه الحالة النشاز من التعصب الرياضي المتجاوز، وأين نحن من الوعي المطلوب بأولوياتنا وبحدود ممارساتنا المباحة، وأين نحن من ملاحظة الخطوط الحمراء التي يجب أن يقف عندها الجميع، وإذا كان الحال في رأي البعض لا يصل إلى ما ذكرناه هنا، فهو عند الجميع يمثل مقدمة وبداية يجب ألا يسمح لها أن تكبر حتى نعجز عن معالجتها.