عشرات المرات، مثلما يمكن أن يحدث، ونحن نقلّب السياسة في خارطة العالم العربي دون جدوى من وجود ملامح لكل الديمقراطيات المعلنة في الخطاب السياسي العربي.

الوضع العربي برمته يخضع لسياسات متشابهة وله نفس الخلافات حول السلطة بغض النظر عن درجة الخلافات، إنما كل النماذج التي يمكن طرحها على طاولة النقاش ستعجّل باكتشاف أن كل الأنظمة واقعة تحت مظلة البقاء السياسي وممارسة أدوار مختلفة تضمن مثل هذا البقاء وتوفير كل السبل لإطالة مدّته حتى وإن كان شعار الديمقراطية هو الضحية الكبرى التي يمكن أن تخفّف من ضغط المخالفين، ووصف المخالفين هو وصف مخفّف بالنسبة لبعض ممارسات الأنظمة العربية التي لا تفوّت فرصة دون أن تذكّر كل المنظمات العالمية بديمقراطيتها!
هذا الوصف للديمقراطية جعلته السياسة وصفاً “مطاطياً” يناسب كل المقاسات والظروف والأحداث ليناسب شعارات المرحلة التي بدأت فيها “الأم” ممارسة هذا الدور، الأم السياسية لديمقراطية الشرق الأوسط الكبير والتي وزّعت الأدوار حسب رؤيتها للمناخ الديمقراطي إلى الدرجة التي جعلتها تصف نظاماً سياسياً لم يتمّ بعد أعوامه الأولى بالديمقراطية النموذجية.
هذه الشعارات المزروعة في اللهجات العربية السياسية هي نتيجة خبرة في الإدارة السياسية، خبرة مكتسبة من طبيعة الشعوب العربية وكيفية إدارتها بغض النظر عن النمط المقترح والأسباب الثقافية التي جعلت بعض الأنظمة تقدّم أساليب مبتكرة للاتكاء على شروط خاصة من أجل البقاء في مأمن من التقلبات وإمكانية حدوثها ما يجعل أمر تغيير النظام حتمية وقابلة للتحقيق.
أي نموذج في ذهن القارئ يمكن أن يكون نموذجاً مناسباً للموضوع ولعلّ محاولة إسقاط ما سبق من الموضوع على أي جغرافيا ذهنية لأي نظام عربي سيجد أنها تنطبق تماماً، ليس لأن الموضوع فيما سبق “يدور” أو يحاول أن يوحي بأن المقصود هو دولة باسمها أو بعينها بل لأنها كلها متشابهة في رفع شعار الديمقراطية دون أن نجد ممارسات فعلية لتطبيقها أو البدء في وضع مشروع الديمقراطية حيّز التنفيذ.
كل النماذج المطروحة التي عجّلت برفع الشعار لديها ديمقراطية شكلية تختلف مثلاً في شكلها عن الشعار الأمريكي في سياسته الخارجية لاستمرار النفوذ حول العالم وقمع القوى الأخرى بالذات فيما يتعلّق بالسلاح النووي أو القوة العسكرية أو قوى تهديد المصالح، ليس لأنها لا يناسبها لأسباب استراتيجية بل لأنها دول في منتهى الضعف وبلا أي تأثير في سياسة العالم وربما بعض الدول حتى في سياسة الشرق الأوسط، بمعنى دول هامشية “تحاول” أن تضع نفسها بصفتها ميزاناً للعدل والقوة والتأثير.
هذه الدول النموذجية لديها انتخابات وبرلمانات وأحزاب، لكن كل ما يدور في داخلها هو عبارة عن صراعات محسومة لصالح الأقوى والمسيطر وليس الأفضل.
رفع شعار المشاركة أو التعددية أو الحريات تكشفه أول أحداث حقيقية في الممارسة السياسية في دول تعتبر تجربتها السياسية نموذجية ويمكن في أي تجمع للحزب الحاكم أو أي حملة إعلامية لأحد أعضاء الحزب أو التيار تجد أن الممارسة السياسية الديمقراطية تتكرر عشرات المرات قبل أن نضطر لابتلاعها ونحن نعرف أنها مجرد شعار يتم تزييفه علناً ليس لإقناعنا و”أعني بالضمير هنا” الشعوب العربية أو المعنية بأبراج المراقبة السياسية، بل يحدث كل ذلك للضحك علينا ولتمرير مشروع سياسي في ملف سياسة خارجية ويمكن اعتبار أي خط جغرافي لأي دولة عربية هو خطّ خارجي!
بعض المعنيين بالشأن السياسي يرون أن مجرد وجود مظاهر ديمقراطية ومشاركة ولو شكلية في طابعها الأولي، وهي بالمناسبة في بعض الدول العربية لا يمكن أن تكون أولية لأنها تبدو أزلية وتمثّل أهم العوائق القائمة في مثل هذه الكيانات الدائمة، يرون أنها علامة مهمّة ومؤشر فعليّ لديمقراطية عربية قادمة حقيقيّة مستقبلاً.
حقوق الإنسان وهي إحدى “المظاهر” في كل الدول العربية لا تفعل شيئاً سوى أنها جزء من عمل سياسي وتأتي تحت ضغط المجتمع الدولي من أجل تخدير أو تنويم أي مشروع خارجي للضغط مستقبلاً ما يعطّل شعار الديمقراطية.
صحيح أن هذه مفارقة عجيبة لكن الدول العربية جديرة برفع رايتها ليس محلياً بل عالمياً وهي تعرف أن الدول العظمى المسؤولة حالياً عن أمن العالم وأن كل المنظمات بدأت تحاسب وتسأل وتطالب، إلا أن الأنظمة تريد البقاء لصالح شعاراتها.
إذن في العالم العربي لا تستغرب أن يكون شعار الديمقراطية أولاً على أحد بيارقها في المستقبل القريب بينما يتم إعدام من ينطق بحرف واحد ضدّ الاستقرار والوحدة والتلاحم والشعور الوطني وأمن الدولة والمساس بشخصيتها!