قانون دمج الشركات يعد من القوانين الحديثة نسبيا في نظام الشركات ولكنه الأكثر تعقيدا، فهو ذو ارتباط شديد بقانون المنافسة التجارية لأن الهدف منه هو الحد من اندماج الشركات والذي قد يترتب عليه خلق منافسة غير عادلة أو ممارسة سلوك احتكاري في السوق.

هناك نوعان رئيسيان من الاندماج، فهناك الاندماج الأفقي وآخر رأسي، مثال للاندماج الأفقي اندماج شركتين نشاطهما مماثل كصناعة السيارات، وهذا النوع يشكل خطورة أكبر لأنه يقلل من المنافسين في سوق صناعة السيارات.
أما الاندماج الرأسي فيتمثل في اندماج شركتين نشاطهما ليس مماثل لكن مرتبط تجاريا كاندماج شركة تصنع السيارات وأخرى نشاطها تسويق السيارات مثلا.
في غالب الأمر لا يؤدي هذا النوع إلى ضرر في سوق صناعة السيارات، وتلجأ الشركات لمثل هذا الاندماج لرفع الكفاءة المالية والتوفير.
يتميز قانون اندماج الشركات بميزة ليست تقليدية كبقية القوانين، وذلك لأنه يسمح للهيئة أو الجهاز المخصص للنظر في قانونيته بدراسة الاحتمالات المستقبلية للاندماج، بمعنى أنه يتم دراسة الاحتمالات المستقبلية فيما إذا تمت الموافقة على دمج شركتين في مجال ما، فهل سيؤدي ذلك في المستقبل القريب إلى ممارسات غير قانونية مثل الاحتكار أو إخراج صغار التجار من السوق عن طريق خفض الأسعار بشكل كبير أم لا.
هناك عدة طرق لقياس ما إذا سوف يكون الدمج مضرا للمنافسة العادلة أم لا، حيث تتم دراسة سلوك هذه الشركات وما إذا كان لديها مخالفات سابقة لقانون المنافسة، وهناك أيضا عدة معايير لقياس ما إذا كان الدمج سوف يؤدي إلى احتكار كلي أو وصول الشركة المدمجة إلى موقع مهيمن في السوق لكن الأكثر شيوعا بين عدة دول هو معيار الدخل السنوي للشركات الراغبة في الاندماج.
جدير بالذكر أنه إذا تولد الشك لدى الجهة المختصة، سواء في الاتحاد الأوروبي أو الولايات المتحدة، بأن الاندماج سيكون له آثار إيجابية في السوق، ولكن هناك احتمال بسيط لظهور آثار سلبية، فبالرغم من ذلك قد يتم الموافقة على طلب الدمج، ولكن في هذه الحالة يملك الجهاز المختص بتعليق الموافقة على شرط أو عدة شروط لضمان عدم ممارسة أي نشاط يضر بالمنافسة.
هناك شروط هيكلية مثل إجبار أحد الطرفين ببيع أصول يملكها كبيع عدد معين من الفروع، ومثال على ذلك هو إجبار الهيئة الأوروبية بنك لويدز ببيع أكثر من 600 فرع حتى يتمكن من الاندماج مع بنك «اتش بوس».
مثال آخر على اشتراط تعديل هيكلي، هو بيع خط إنتاج أو منتج معين تنتجه إحدى الشركات الراغبة في الاندماج.
النوع الثاني من الشروط هو ذو الطابع السلوكي، بمعنى أنه يمكن أن يشترط على الشركات الراغبة في الاندماج عدم رفع سعر منتجاتها لفترة زمنية معينة، أو إلزامها بعدم ممارسة نشاط تجاري معين لفتره محدودة.
وكان من المفاجئ أن تقوم الهيئة الأوروبية، وهي الجهاز المتخصص في الاتحاد الأوروبي في النظر في صحة طلبات الدمج، بمنع شركتين موطن كلاهما جنوب أفريقيا، وهما متخصصتان في تجارة الأحجار الكريمة وذلك لبلوغ الإيرادات العالمية لكلا الشركتين سقف الخمسة مليارات يورو، ففي هذه الحالة يحق للهيئة الأوروبية النظر في أي اندماج بلغ هذا الحد وفقا لقانون الاتحاد الأوروبي للاندماج.
لكن من الناحية القانونية لا تملك الهيئة منع الاندماج الفعلي طالما انحصر نشاطهما في جنوب أفريقيا، ولكن تملك الهيئة أن تمنع الشركة المدمجة من دخول السوق الأوروبية أو التعامل تجاريا مع أي عضو فيها.
قضية أخرى أثارت جدلا كبيرا بين فقهاء قانون المنافسة والاندماج في أوروبا وأمريكا وهي قضية اندماج شركة ماكدونيل دوجلاس مع شركة بوينج، والتي تمت الموافقة عليه في الولايات المتحدة من قبل وزارة العدل، وقوبل بالرفض من الهيئة الأوروبية والذي كاد أن ينتج عن ذلك هو عدم تمكن أي دولة أوروبية من شراء طائرات الشركة المدمجة، وفي أسوأ الحالات عدم سماح هذه الطائرات من دخول أجواء الاتحاد الأوروبي، وبعد فترة طويلة من الجدل بين الجهازين المختصين لدراسة الاندماج دون نتيجة، تم تصعيد الموقف حتى أخذ الطابع السياسي حيث تدخل بيل كلينتون رئيس الولايات المتحدة آنذاك والذي مارس بدوره الضغوط السياسية حتى تمت الموافقة من قبل الاتحاد الأوروبي.
أود أيضا أن أذكر بأن أكثر الخطوات أهمية في دراسة طلب الاندماج هو تحديد «السوق ذو العلاقة»، فهي الخطوة الأولية والتي يجب أن تتم بشكل صحيح حتى تتم دراسة الطلب بشكل سليم وبناء عليه اتخاذ القرار المناسب، بصورة مبسطة، معنى مصطلح «السوق ذو العلاقة» هو الحيز الذي يشمل منتجات أو خدمات الشركات الراغبة في الاندماج وأخرى مشابهات لها في السوق داخل نطاق جغرافي محدد. مثال على ذلك، لو رغبت شركة كوكاكولا السعودية بالاندماج مع شركة بيبسي السعودية، فإن السوق ذا العلاقة هو سوق المشروبات الغازية بالسعودية، فبالتالي تتم دراسة كمية المبيعات لكل المشروبات الغازية في السوق لمعرفة ما إذا كانت مبيعات الشركتين الراغبة في الاندماج تتعدى الحد المسموح به أم لا، وبالتالي إذا اندمجت الشركتان ستصل لدرجة الهيمنة في السوق، ففي هذه الحالة يتم رفض طلب الدمج أو الموافقة لكن بشروط. لكن الأمر نادرا ما يكون بهذه السهولة، الشركات في عصرنا الحالي متشعبة الاختصاص ومنتجاتها متعددة الخدمات، والذي قد يصعب من تحديد «السوق ذو العلاقة» لذلك عادة ما تكون قضايا الاندماج كثيرة التعقيد، ففي إحدى قضايا الاندماج المنظورة أمام محكمة ولاية كاليفورنيا توقف القاضي لوهلة في منتصف عمر القضية وصرح بأنه من المستحيل جدا استيعاب وفهم هذه القضية بصورة كاملة. لكن ذلك لا يمنع من ضرورة وجود قانون ينص على كيفية دراسة السوق في حالة التقدم بطلب اندماج، بل معظم الدول المتقدمة في مجال قانون المنافسة العادلة قد تبنت تعريفا محددا لمصطلح «السوق ذو العلاقة». أود أخيرا أن أشير بأن قانون الشركات السعودي لا يحتوي على آلية تحديد نطاق السوق ذي العلاقة لدراسة الاندماج أو حتى المعايير المتبعة لاتخاذ مثل هذا القرار.
لا أتفق مع رأي البعض الذاهب إلى تشجيع الشركات الكبرى للاندماج بحجة الفائدة الاقتصادية لأن ذلك يضر المنافسة وصغار التجار، وأقرب مثال على ضرر الاندماجات الضخمة غير المنظمة هي الأزمة المالية الحالية التي بدأت من الولايات المتحدة التي كان من أسبابها اندماجات عديدة في القطاع البنكي منذ الثمانينات حتى تركز الاقتصاد الأمريكي على 7 بنوك ضخمة، وعندما أفلست أصبحت الدولة على حافة الانهيار.
التوجه الحالي في الولايات المتحدة هو تفتيت هذه البنوك إلى منشآت أصغر، وذلك حتى لا يتأثر الاقتصاد بشكل كبير لو أفلس بنك أو عدة بنوك منها، لذلك تنظيم اندماج الشركات بشكل دقيق هو أمر ضروري ونظام الاتحاد الأوروبي الخاص باندماج الشركات مثال ممتاز يمكن الاستفادة منه.