أشجع دائماً ممارسة الرياضة باستمرار لما لها من فوائد صحية ونفسية لا تكاد تحصى، ولكن ليست ممارسة الرياضة فقط ما يجلب الفوائد، بل وحتى متابعتها والاهتمام بأخبارها ومشاهدة أنشطتها عبر وسائل الإعلام، كمتابعة مباريات فريق مفضل، أو لاعب مميز، وهذا ما أشجع الجيل الناشئ عليه، ولكن.. هل متابعة الرياضة أمر إيجابي دائماً؟
لقد مررنا في الأيام القليلة الماضية بمباراة كروية مهمة جداً على المستوى الآسيوي، وتجربة تستحق التوقف والدراسة والتفكر، ليس لقيمة تلك المباراة في الجوائز والمراكز، بل لأهمية ما كشفته مما اختبأ من ثقافتنا، وما بينته من سلبيات توارت خلف هواياتنا، وما وضحته من مشاعر سلبية حملتها قلوب شبابنا في كل الأطراف المشتركة في هذا الأمر، ولست مع من يقول بأن تعصب طرف أكثر من تعصب الآخر، بل أراهما في مرتبة واحدة منه.
في الحقيقة لم أستغرب وجود التعصب الرياضي في مجتمعنا، فهو أمر لا يخفى على أحد، وربما شاركت فيه أحياناً، ولكن الحد الذي وصل إليه هذا التعصب هو ما أزعجني، وسوء ما قرأت وسمعت ورأيت هو ما آلمني، فقد حملت مظاهره - من كل الأطراف - من مشاعر الكراهية والحقد والتشفي الكثير، وحوت كلماته من أسوأ الألفاظ وأبشعها الكثير، وانتشرت صوره وتصميماته جارحةً أناساً فضلاء، وإخوةً كرماء، وأنزلت معها في أدنى مستويات الأخلاق الكثير من المتفاعلين.. فهل هذا ما نريده من متابعة الرياضة؟
إن الهواية التي تجعلك تخسر أخلاقك من أسوأ ما يمكن الوقوع فيه، فالتخلص منها أصعب لما بها من متعة وانسجام، ولكن صاحبها في أشد الحاجة إلى محاربة سلبياتها بمراجعة نفسه، وتعديل فهمه، وتحسين سلوكه ليترفع بها عن المس بأخلاقه، فالأخلاق إذا فسدت في أمر انتشر فسادها في أمور أخرى، وسوء الكلمات إن جرت على لسانك في مجال، جرت على لسانك في مجالات أخرى، ومشاعر الكراهية والعنصرية المقيتة تنتقل إلى بيئات أخرى غير كرة القدم متى ما اعتاد صاحبها عليها وصارت جزءًا من شخصيته.
يرمي البعض لوم انتشار التعصب على الإعلام والإعلاميين، وآخرون يخصون به الرياضة والرياضيين، وغيرهم يذهب إلى أبعد من هذا.. ولكن لوم هؤلاء وأولئك لا يبرئ أنفسنا، ووجود مخطئ كبير لا يدل على صواب الآخرين بالضرورة، فكلنا مسؤول عن هذه الظاهرة السلبية، وكلنا مشارك في دعمها، أو مقصر في دحرها، وعلينا جميعاً أن نختبر أنفسنا، ونراقب طريقة تفكيرنا تجاه تعاملنا مع تشجيع فرقنا، وأن نكون أكثر تسامحاً، وأكثر رقياً، وأكثر حكمة في التعامل معها.. فالعاقل خصيم نفسه.
يبرر البعض تعصبهم بأن هذا ما يقتضيه التنافس، وما يجلب المتعة، وأرى في ذلك خلطاً كبيراً بين التنافس كمفهوم إيجابي جميل، والكراهية والحقد والتشفي كمشاعر سلبية، بين السعي إلى الفوز على المنافس، وتمني الضرر له، بين حب طرف، وكراهية آخ.. ألا يمكن أن يكون بيننا تنافس شديد داخل الملعب وأخوة حميمة خارجه؟ ألا يمكن أن نتمنى الفوز لأنفسنا، ونبارك الفوز لمنافسنا؟ ألا يمكن أن نحاول تجنب الخسارة لفريقنا ونواسي عليها منافسنا؟ ألا يمكن أن يكون التنافس الشريف أسلوبنا؟
إن كثيراً مما يحدث الآن ليس له أي صلة بالتنافس الشريف، لا من بعيد ولا من قريب، وإن كان هناك الكثير من الأصوات العاقلة التي تحارب هذه الظاهرة، وتدعو إلى الارتقاء بتشجيعنا، إلا أنها صارت منخفضة وسط ضوضاء داعمي التعصب وممارسيه، وليتها ترتفع أكثر، وأدعو كل مؤثر في هذا المجتمع أن يحمل على عاتقه جزءاً من مسؤولية مجابهة التعصب، وأن ينشر رسائل الحكمة والتعقل.. وفي الحقيقة كلنا مؤثر.. مؤثر على نفسه أولاً، وعلى من حوله ثانياً، وعلى مجتمعة وأكثر إن علت همته، وقويت إرادته، وحباه الله بتوفيقه.
فلنسعَ جميعاً إلى مجتمع رياضي أكثر سلامةً، وروح تنافسية أكثر رقياً، وبيئة رياضية صحية نأمن فيها على أنفسنا وأبنائنا، وتكون سبباً للارتقاء بأخلاقنا، وداعماً لزيادة المحبة والأخوة بيننا.

