على الرغم من الغموض الشديد بشأن مصير سوريا وأوكرانيا، أو بالأحرى العلاقة بين الولايات المتحدة وروسيا، فإنه لا يزال الاتفاق على شيء واحد: الحاجة لمواجهة التطرف العنيف من شمال أفريقيا إلى الشرق الأوسط، مع استمرار غياب صياغة استراتيجية منسقة لمكافحة هذه الآفة، ربما بسبب تدهور العلاقات بين القوى العظمى منذ نهاية الحرب الباردة.
مبعوث روسيا الدائم في الأمم المتحدة فيتالي تشوركين انتقد بشدة المؤتمر الأخير لمكافحة الإرهاب الذي دعا إليه الرئيس باراك أوباما في واشنطن، واستنكر نظرة الازدراء الأمريكية ضد روسيا وحلفائها في منظمة الأمن والتعاون في أوروبا مثل صربيا التي لم تدع إلى هذا المؤتمر رغم أنها تترأس المنظمة حاليا.
جاءت هذه التصريحات على لسان الدبلوماسي الروسي مساء الأربعاء الماضي أثناء مشاركته في حلقة نقاشية مهمة حول “واقع ومستقبل العلاقات الأمريكية الروسية” في نادي هارفارد في وسط مانهاتن، وقبل ساعات من انعقاد المؤتمر الدولي لمكافحة الإرهاب والذي وصف نتائجه مسبقا بأنها “ستقود العالم إلى الفوضى” وأن الفرصة الحقيقية لمواجهة الإرهاب ما زالت قائمة!وعرضت مجلة فورين بوليسي الأمريكية لأهم المحاور التي دارت في هذا اللقاء الذي أداره وزير الخارجية الصربي السابق فوك يريميتش، وضم أستاذ الاقتصاد في جامعة كولومبيا جيفري ساكس، ورئيس الوزراء الأسترالي السابق كيفن رود، ووزير الدفاع الألماني السابق كارل تيودور تسو جوتنبرج.
وأكد تشوركين استعداد روسيا والصين للتعاون مع الولايات المتحدة في العديد من الملفات الدولية وفي مقدمتها مكافحة الإرهاب، وأرجع انتشار ظاهرة الإرهاب إلى استغلال الفراغ الجيوسياسي في العلاقات الدولية وإعادة صياغة النظام العالمي الجديد انطلاقا من الشرق الأوسط الكبير وحتى وسط أوروبا.
وذكر الجميع أن تعاون روسيا - على سبيل المثال - في المسائل ذات الأهمية الحيوية بالنسبة لواشنطن والعالم كالمفاوضات النووية مع إيران أمر مشهود ومفروغ منه، فقد أزالت العديد من العقبات في هذه المحادثات والتي كان من الممكن أن تجعل الاتفاق مع إيران أكثر صعوبة.
لكن يبدو أن أمريكا مصممة على أن تقود العالم منفردة لذا تدفع الأمم المتحدة ليصبح دورها هامشيا وهو الأمر الذي سيزيد من قوة الأيديولوجيا التي يتبناها هؤلاء المتطرفون ويمنحهم المبرر القوي لاجتذاب الآلاف في العالم وتجنيدهم في حربهم ضد الولايات المتحدة.
الملاحظة الأهم التي حفلت بها هذه الحلقة النقاشية هي أنه رغم قرار مجلس الأمن الأخير الذي هدف إلى تجفيف قدرات ومصادر تمويل الدولة الإسلامية وتنظيم القاعدة من بيع النفط والغاز والآثار وخطف الرهائن، فإن إصرار الولايات المتحدة ووسائل الإعلام الأمريكية عن وصف داعش بـ”الدولة الإسلامية في العراق والشام”، هو تعبير عن قصر نظر مقصود لمحاصرة ظاهرة الإرهاب وحصرها في بلدين فقط هما العراق وسوريا.
وبينما يتم غض الطرف عن الإرهاب في شبه جزيرة سيناء وليبيا أو تسليط الضوء على ما وراء منطقة الشرق الأوسط من هجمات قاتلة في أوتاوا وسيدني وباريس وكوبنهاجن، وهو ما يضع علامات استفهام كبيرة أمام نوايا مكافحة الإرهاب وأهدافه الحقيقية، ولماذا يتم استبعاد روسيا تحديدا صاحبة الباع الطويل في هذا المجال سواء في مجال الاستخبارات أو التجسس أو الأمن الدولي.
الأمر الثاني، لماذا ضغط أوباما على المندوبين في الأمم المتحدة وعلى رأسهم الأمين العام بان كي مون لإرجاء البت واتخاذ إجراءات ملموسة في مواجهة هذه الظاهرة الخطيرة التي تهدد العالم إلى سبتمبر المقبل؟ لقد أصبح العالم كله في قارب واحد، ولا يمكن أن تنفرد قوة واحدة وحيدة لمواجهة ظواهر عالمية.
واختتم اللقاء بتأكيد المشاركين في هذه الحلقة أنه إذا كانت هناك من إيجابية واحدة للتأجيل إلى سبتمبر 2015 فهي أن يمنحنا ذلك الفرصة الكافية للمراجعة من أجل إعادة العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا وحلفائها لتصبح أقوى مما كانت.
وحسب تشوركين “نحن بحاجة إلى أن نتعلم بعض الدروس، وأن نبدأ أقوى مع كل بداية جديدة”.