آلاف المشيعين وقفوا الخميس قبل الماضي حول جنازات الشبان العرب الثلاثة، وهم السوري ضياء بركات وزوجته الأردنية يسر أبوصالحة وشقيقتها رزان، الذين قضوا برصاص مواطن أميركي في مدينة تشابل هيل في ولاية كارولينا الشمالية.
يُجمع العالم على إدانة عملية القتل الوحشية ولكن الاختلاف في التكهن بالدوافع، فما بين حديث والد الضحيتين الشقيقتين على أنّه نابع من كراهية وتمييز ضد المسلمين، ترشح معلومات على أنّ الجاني لا يكره الإسلام وحده وإنّما معروف بعدائه لجميع الأديان.
وهذا بالطبعلا يغيّر من واقعة القتل غدراً شيئاً حتى لو تم التوصل إلى معلومات أخرى تفيد بأنّ هناك خلافات بين الشبان الثلاثة والقاتل حول موقف سياراتهم.
أما الأمر المتفق عليه هو طريقة تعاطي وسائل الإعلام الأمريكية وفتور تغطيتها للجرائم التي تتصل بالعرب والمسلمين في الولايات المتحدة بشكل عام، والحكم الاستباقي الذي يثير الشبهات حول هؤلاء المهاجرين والذين أصبح الكثير منهم مواطنين أمريكيين، بينما لا يُستبعد اندساس إرهابيين ومعادين للغرب في عقر داره من بينهم.
في خضم توالي تحليلات هذه الحادثة تجدر الإشارة إلى تعاطف تيارات من الشعب الأمريكي من مختلف الديانات وتوافد الآلاف للمشاركة في التشييع، وليس هذا فحسب وإنّما توافد الآلاف منهم على حملة التبرعات لمساعدة اللاجئين السوريين، التي أطلقها الشبان الثلاثة وكان محدّداً سقفها بـ20 ألف دولار ولكنها بلغت بعد الحادثة أضعاف الهدف المحدد، بوصولها 335 ألف دولار.
هذا يعكس الفكرة القائلة بعدم التعامل مع الغرب ككتلة واحدة، أي لا زال هناك شيءٌ من إنسانية الإنسان يعوّل عليها.
وبنفس الطريقة التي انقسم فيها الغرب حول حادثة «شارلي إيبدو» الشهر الماضي، حينما أخذ رأيٌّ يكيل التهم للعرب والمسلمين بدون فرز ويأخذ المسلمين بجريرة الإرهابيين منفذي الجريمة، كانت هناك أصوات مسموعة وظهرت إلى العلن تبرئ الإسلام والمسلمين من تلك الجريمة يستشهدون فيها بآيات من القرآن الكريم وما هم بمسلمين.
يحدث هذا الآن، ففي الوقت الذي تعلو فيه أصوات تنعت القاتل بأنّه مريض نفسيا ومهووس من الأديان عموماً وأنّ الخلاف نتيجة لشجار بينهم كجيران، يتصدّر والد الضحيتين الأحداث ويصوّر فجيعته كفجيعة للعالم الإسلامي كله.
ولو حقّ هذا بفضل الانتماء والتعاطف، إلّا أنّه يتم النظر فيه بحكم الامتثال لأمر القانون في بلاد القانون الذي لا توجد فيه ذرة للعواطف والانتماءات، بينما يعامل الكل واحداً على سبيل المواطنة، ولا يرضخ إلّا للشواهد والقرائن والدلائل المحسوسة وغير المحسوسة.
كما أنّ هناك وجها آخر وهو أنّ جناة» شارلي إيبدو» معلوم انتمائهم لتنظيم داعش ومن قبله القاعدة، وقد أدينوا مسبقاً في حوادث مشابهة، بينما الجاني في «تشابل هيل» تحوم حوله شبهة كراهية الأديان والمرض النفسي إلى أن يتم التأكد منها.
وبالرغم من دموية الحادثتين والإدانة الكاملة لهما لأنّ لا حق في الدنيا يبيح لأيٍّ من كان أن يسلب حياة شخص آخر، سواء بعمل إرهابي منظم أو نتيجة كراهية شخصية، فإنّه لا تستقيم المقارنة بين دوافع الجريمتين ولو توحدت الإدانة لهما.
وإن كان الاختلاف حول دوافع قتل الآخر المختلف، فإن الاتفاق يكون حول الظواهر التي تتعرض بشكل أكبر لعمليات الشد والجذب.
وهي تلك التي نشأت بسبب تراكم الاختلافات الذي ابتدأ معناه مع بداية الحياة.
لم يخرج تعريف التسامح بين البشر في كل السياقات الاجتماعية والفكرية عن أنّه هو «الموقف الذي يقضي بالاعتراف للآخر بحق التصرف والتفكير بشكل مختلف».
وإذا سما فهو يفسّر القبول السلبي لفعل أو قول معين ومدى المقدرة على استخدام ردود فعل رافضة خاصة إذا بلغ الاستعداد لقبول وجهات النظر المختلفة حداً يفرق بين القبول والرفض، وبهذا التوليف يتساوى الآخر بالذات.
وإذا انحط فهو يغيب في النظرية والممارسة مما يؤدي إلى ظاهرة التعصب وتهميش الآخر وسيادة عقلية التكفير والتجريم واستشراء سلوك يقود إلى التطرف والعنف.